الأحد, 20 سبتمبر 2026
133
يمثل الاجتماع الذي عُقد مؤخراً في العاصمة عدن حول إدماج التغذية في خطط التعافي والتنمية الاقتصادية خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح؛ فهو ينقل قضية التغذية من نطاق الإغاثة الصحية المؤقتة إلى صميم التخطيط الاقتصادي والاجتماعي طويل الأجل. فسوء التغذية، ولا سيما التقزم لدى الأطفال، ليس مجرد عارض صحي، بل خسارة مبكرة في رأس المال البشري يصعب تعويضها لاحقاً.
فالطفل الذي يعاني سوء التغذية لا تتراجع صحته الجسدية فحسب، بل تتأثر قدرته على التعلم والتركيز، وتنخفض فرصه المستقبلية في العمل والإنتاج. وعندما تتسع الظاهرة، تتحول من مأساة أسرية إلى عبء اقتصادي وطني، يظهر في ضعف التحصيل الدراسي، وارتفاع الإنفاق الصحي، وتراجع الإنتاجية، واستمرار الفقر عبر الأجيال. لذلك، فإن الاستثمار في التغذية ليس بنداً استهلاكياً، بل أحد أكثر الاستثمارات التنموية عائداً.
وتكمن أهمية الاجتماع أيضاً في اتساع المشاركة لتشمل قطاعات التربية والصحة والمياه والزراعة والشؤون الاجتماعية والصناعة والتجارة والأمن الغذائي. فهذا التنوع يعكس فهماً صحيحاً لطبيعة المشكلة؛ إذ لا يمكن لوزارة الصحة وحدها معالجة سوء التغذية، ما دامت أسبابه ترتبط بالفقر، وارتفاع أسعار الغذاء، وضعف المياه والصرف الصحي، وتراجع الإنتاج الزراعي، وتسرب الأطفال من التعليم، وهشاشة شبكات الحماية الاجتماعية.
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الاجتماعات. فالمطلوب ليس إضافة فقرة عن التغذية إلى الخطط الحكومية، بل تحويلها إلى أهداف قابلة للقياس، وموازنات محددة، ومسؤوليات واضحة، وآليات متابعة ومساءلة. ويمكن البدء بتحديد المحافظات والفئات الأكثر تعرضاً، ووضع خط أساس لمؤشرات التقزم والهزال وفقر الدم، وربط برامج الدعم النقدي للأسر الفقيرة بخدمات صحة الأم والطفل والانتظام المدرسي. كما ينبغي إنشاء إطار تنسيقي موحد يضمن عدم تكرار التدخلات أو خضوعها لأولويات المانحين وحدهم، مع إصدار تقرير دوري يوضح ما أُنفق وما تحقق فعلياً.
إن التعافي الاقتصادي لا يبدأ من الطرق والمباني فقط، بل من الإنسان القادر على التعلم والعمل والإنتاج. ولهذا فإن وضع التغذية في قلب خطط التعافي هو استثمار في مستقبل البلاد، لا مجرد استجابة لأزمة طارئة.