مصارحة حرة.. الريال .. سبع أم ضبع؟!

محمد العولقي :

في وسع الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب ريال مدريد الأسباني أن يؤكد اليوم في (لشبونة) أن كل ما يقال عنه من كلام (حالي) كمدرب يفك (استعصاءات) منافسيه في المباريات التي ترفع شعار (الخطأ ممنوع) لا يدخل من باب (النفاق) و(المجاملة) لمدرب جلبه الريال لتكحيل العيون التي في طرفها حور بالعاشرة !.
* ويعي أنشيلوتي الرجل (البارد) برودة رجل (الأسكيمو) أن ما حصده من متواليات (المدح) هذا الموسم .. قد ينقلب في ليلة النهائي وضحاها إلى مصفوفات (قدح) .. تتشكل في موسم كارثي (للميرنجي) ما لم يجد (الروشتة) المضادة التي تبطل مفعول دييجو سيميوني مدرب (الأتلتيك) .. الذي يتحدى الريال (رأس رأس) اليوم في لشبونة!.
* يعلم أنشيلوتي أن اللجوء إلى لغة (النائحة) المستأجرة في النهائي لا تجدي مع فريق دفع من خزانته المالية ما يوازي مال (قارون) بهدف معانقة العاشرة بذات لهفة (روميو) لمحبوبته الورقية (جولييت) !.
صحيح أن (الليغا) لم تكن من أولويات الريال .. ولا حتى بطولة (الكوبا درية)، لكن طويلة الأذنين هي مبتغى ومحتوى الريال .. وعدم الفوز بها أمام بلدياته (الأتلتيك) اليوم .. ستحول التأهب (الملكي) إلى (جنازة) كل حاضريها من عشاق اللطم!.
* وإذا كان للفريق الملكي (تراثه) الخاص ببطولته المفضلة فإن (ثقافة) التعامل مع النهائي (المفخخ) مسألة حياة أو موت للمدرب أنشيلوتي ولكتيبته التي تُراهن على (جاذبية) و(عقلية) طويلة الأذنين التي تبقى خيارًا مفضلاً للذي يضحك أخيرًا!.
* يحاول أنشيلوتي بخبرته وعقليته وبرودة أعصابه أن يحرر لاعبيه من الشد النفسي والعصبي من خلال التركيز على خطط اللعب، وتلقين لاعبيه دروسًا في (الاقتصاد) البدني .. لأنه أول من يعلم أن النهائي سيلعب على تفاصيل صغيرة، وأن الجانب البدني سيصنع الفارق في النهاية!.
* لكن ما يميز أتلتيكو مدريد الفائز بالدوري على حساب (برشلونة) و(الريال) تحديدًا ليس المنسوب اللياقي المرتفع عند كتيبته المحاربة فقط، ولكنه يتمتع بطاقة (ذهنية) هائلة هي ذات الطاقة التي أقصت (تشيلسي) في معقله، وهي ذات (المفعول) السحري الذي جعل (برشلونة) ينحني في (الكامب نو).
* وإذا لم يتعامل أنشيلوتي مع هذه الإستراتيجية التي غيبت دهاء (مورينيو) بخبث كروي مستلهم من المفكرة (النفسية)، ويستخرج من لاعبيه طاقة (ذهنية) تحركهم على رقعة الميدان كقطع (الشطرنج) .. فإن (الريال) سيعاني الأمرين على مستوى امتلاك الكرة أو استخلاصها من لاعبين يتحركون ككتلة واحدة في الدفاع والهجوم .. وهو أسلوب مبتكر مستوحى من مفكرة (فرويد) النفسية التي يحسن (سيميوني) العزف على أوتارها، بدليل أن كل مباريات (الأتلتيك) يخوضها لاعبوه بنظام (الكؤوس) .. الأمر الذي يجعل (اصطياده) صعبًا ما لم تتسلح بعنصري (الصبر) و(المباغتة) .. وهما عنصران تتحكم فيهما التهيئة الذهنية للاعبين!.
ويبدو سيميوني أقرب إلى طبيب نفسي وقائد يعرف كيف يسيطر بتعليماته على (جنوده)، كما أنه يعرف كيف يستخرج منهم قوة هائلة في التعامل مع المباريات التي تتطلب اللعب بعقلية (المصير) !.
* والواقع أن (الريال) يحتاج اليوم لحيلة (العصا والجزرة) .. حيلة فيها من (الدهاء) ما يشتت (شمل) لاعبي (الأتلتيك) الأقوياء بدنيًا وذهنيًا، والأقل قدرة (فنيا) من لاعبي (الريال)!.
وإذا كان أنشيلوتي قد قرأ الدرس الذي لقنه سيميوني للبرتغالي المتعجرف جوزيه مورينيو في (ستامفورد بريدج) فإنه سيدرك أن اللعب بخطة (الحافلات) لا تجدي مع فريق (محارب) مثل (الأتلتيك) والذي يعرف من أين تؤكل الكتف ؟!.
* في تصوري أن أنشيلوتي سيحول المباراة إلى معركة في الوسط لاستدراج سيميوني وقيادته نحو (فخ) النرفزة (النفسية)، وسيحدث هذا في حالة أن نجح أنشيلوتي في التحكم بإيقاع اللعب من تسريعه وتخفيضه.
* أما لماذا سينقل أنشيلوتي المعركة إلى الوسط رغم أنه يمتلك رؤوسا نووية في الهجوم محرمة دوليًا ؟ !! .. فالجواب بسيط للغاية، ويتمحور في تحرير (الهجوم) من الالتحامات .. بالنظر إلى أن خط هجوم (الريال) يئن تحت وطأة الإصابات الطارئة التي ستفرض على أنشيلوتي اللعب بهجوم (أعرج)، فالجاهزية البدنية لقاذفة اللهب (رونالدو) غير مكتملة .. والحالة البدنية للديك الفرنسي غريب الأطوار (كريم بنزيمة) ما يعلم بها إلا ربنا .. وبديله (موراتا) شمسي قمري .. وجناحه النفاثة (جاريث بيل) يعاني هو الآخر من عيوب بدنية !.
* إذن لا مفر من تخفيف الضغط على خط الهجوم (المائل) للريال .. ولا حل سوى استدراج لاعبي (الأتلتيك) لمعركة (فنية) بحتة .. فالعامل (الذهني) في صالح رجال سيميوني .. والحوارات (البدنية) هجوميًا ليست في صالح أنشيلوتي، لكن يبقى السؤال الحائر .. كيف يمكن لحيلة أنشيلوتي أن تنطلي على (الجنرال) المحارب سيميوني ؟!.
* سؤال تصب أجابته في خانة الحذق التدريبي، لسببين لا مانع من المرور عليهما مرور الكرام أو حتى (اللئام) أن شئتم :
الأول: إن المباراة .. مباراة (فكر) بين مدربين، الأول خبير في التعامل مع النهائيات بحسب الأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل .. والثاني خبير في فن (الصبر) حتى إن لاعبي (الأتلتيك) بصبرهم وجلدهم أقرب إلى ممارسي طقوس لعبة (الليوجا).
والثاني: قطع الغيار في وسط الميدان التي لم يحسب لها حسابًا .. وهنا يبدو أنشيلوتي في وضعية مثالية للمباغتة، ويبقى عليه أن يحسم خياراته في غياب تشابي ألونسو حجر الزاوية في الوسط (المدريدي) .. هل يصبغ (الشاكلة) بصبغة فنية .. تعطي دفقة شلال في الهجوم .. الأمر هنا يتعلق بورقة (إيسكو) المهاري الذي يفتقد للعراكية الثنائية بحكم قلة خبرته ؟! .. أم يلجأ إلى تحصين الوسط بالألماني سامي خضيرة، وهو خيار (توازن) لو أن اللاعب جاهز من الناحية (البدنية) وليست (الفنية)؟!.
* ربما يتصدع (أتلتيكو مدريد) من الداخل في حال غياب متوقع للتركي (توران)، والمهاجم الهداف دييجو كوستا، لكن الخيارات التكتيكية للمدرب سيميوني موجودة .. على العكس هذه الغيابات ستشهد (تعبئة) علنية في الوسط .. وسيحتاج (الريال) إلى (حلال) عقد يدخل الخيط (الفني) في الإبرة (التكتيكية).
* ولأن سيميوني يخنق اللعب بأربعة في الدفاع : جودين وميرندا وفليبي لويس وجوفران .. وخمسة وخميسة في الوسط : يبدأ بخط بارليف جابي وكوكي وتياجو.. ومعهم : لوبيز وجارسيا وحتى ديفد فيا .. فإن (الريال) يحتاج إلى أن يدق في نخاع (الأتلتيك) عطر (منشم) .. مرة لتصدير الفوضى (الذهنية) قبل التكتيكية لكتيبة سيميوني المحاربة على جبهات الوسط والدفاع .. ومرة لصرف النظر عن (النواقص) البدنية بخط الهجوم!.
* ربما كان أنشيلوتي في أمسَّ الحاجة لثبات (بيبي)، واستعادته ليشكل ستارًا خلفيًا مع راموس .. ففي وجود فاران يغيب الجانب الاندفاعي التلقائي .. ويحضر (العقل) على حساب (التركيز) والمزاحمة (مان تو مان) .. وما يزيد الطين بللاً أن غياب ألونسو يعري منطقة القوس للريال، ويجعل الفريق عرضة لمضادات ومرتدات تحركها (آلة) وسط .. طالعة نازلة واكلة كالمنشار!.
* من هنا يستحسن تجديد مبدأ (الأكسدة) التكتيكية .. وهي طريق يعرفها (الطليان) أكثر من غيرهم .. التحنيط مطلوب لصلب امتيازات (الأتلتيك) الذهنية والبدنية .. وفي العادة يمثل فارق الكرات الهوائية بين الفريقين مرتكزًا (حاسمًا) .. فالريال كسب الحوارات (الهوائية) هجوميًا عبر الكرات الثابتة .. والأتلتيك يلجأ للهوائيات كلما عانى من (عسر) هجومي!.
* إذا انقادت المباراة إلى (التخندق) التكتيكي الذي لا يسمح بتعرية أي شبر في الوسط والدفاع .. فإن الحل سيأتي من جبهتين: إما الكرات الثابتة باتجاه الرؤوس .. أو الحل الفردي في حال انخفاض المستوى (الذهني) إلى الأدنى .. وهنا تكمن (مفارقات) نهائي .. لا يتسلح بالتاريخ ولا حتى بطبيعة الجغرافيا!.
* أكثر ما يقلق (الريال) رواقية كاربيخال وكنتراو .. فالمردود الدفاعي لهما أقل من مردود رواقي (أتلتيك) .. والوسط الدفاعي للريال سيجد صعوبة في التسيير الهجومي أمام (مطبات) وسط (أتلتيك) .. أما هجوميًا فالوضع يتوقف على حالة (البي بي سي)، خصوصًا من الناحيتين البدنية والذهنية .. نقطة قوة (أتلتيك) .. المنطق يقول: "إذا نجح أنشيلوتي في (جرجرة) مقاتلي سيميوني إلى معركة (فنية) صرفة فإن الريال سيلتهم أتلتيك فلا مجال للمقارنة فنيًا وفرديًا بين لاعبي الفريقين! .. على الريال أن يكون (سبعًا) وإلا لقي مصير مجير (أم عامر) في الليلة الظلماء .. فهل يكون أنشيلوتي أسدًا في ملعب (النور) أم يحاكي (الضبع) الذي لم يفرق بين (البرسيم)" و (البنزين) ؟!!.
* للريال وسط تغلب عليه النزعة الهجومية .. (مودريتش) لاعب حر .. (إيسكو) هجومي .. (ياراميندي) ليس على قدر المهمة .. و(دي ماريا) معروف بخصاله الهجومية على الرواقين .. و(خضيرة) أيضًا يعشق الامتداد الهجومي .. إذا هناك مشكل تكتيكي في محور الارتكاز الدفاعي .. فالتوازن الذي كان يصنعه (ألونسو) على المحك .. ولابد للمدرب أنشيلوتي أن لا تفلت منه (شعرة) التوازن .. ولأنه حلال العقد .. سننتظر بفارق الصبر .. كيف سيعالج أنشيلوتي هذه الإشكالية (التكتيكية) في نهائي .. الخطأ فيه ممنوع .. حتى لا يأكل (الريال) في اليوم الذي أكل فيه الثور الأبيض !.