> عمر محمد العمودي

قبل عدة أعوام - في 2013 م - في إحدى الليالي وتحت سماء العاصمة «مدريد» وقف هناك الطفل «بويان» وبجانبه والده «الفارو» بالقرب من ابواب السانتياغو برنابيو وهما يهتفان معاً «هلا مدريد، هلا مدريد»، بعدها التفت بويان نحو والده وابتسم، ومن ثم وجه أسئلته المعتادة: هل سنعود بالنتيجة؟ وإذا لم نعد متى سنفوز بالعاشرة يا أبي؟
كانت هذه الكلمات قبل سويعات فقط من مواجهة ريال مدريد ضد دورتموند في مباراة الإياب في مدريد، بعد أن انتهى لقاء الذهاب بينهما في ألمانيا بخسارة مدريد 1/4
الفارو: سنفوز يابنيَّ والعاشرة ستأتي لامحالة، سنخرج من السانتياغو ونحن نردد «هلا مدريد، هلا مدريد»، سواء عدنا بالنتيجه أم لا..
دخل بويان ووالده سوية الملعب لمشاهدة المباراة، آملَينِ أن يعود الميرنجي بالنتيجة ... وابلٌ من الفرص قد أضيعت، لايبدو أن العودة والتأهل للنهائي سيحدث، حتى سجل راموس ذلك الهدف المتأخر، عادت الآمال لبويان ووالده وباقي من هم في البرنابيو، لكنْ لابد من هدفٍ آخر.
انتظروا حتى الصافرة لكن دون جدوى، انتهت المباراة بنتيجة لا تكفي للتأهل، أضيفت سنة أخرى للعنة العاشرة، لم يكن أحد في الملعب يبكي أكثر من الطفل «بويان» سوى القائد صاحب الهدف الثاني «سيرخيو راموس».
عاد بويان للمنزل رفقة والده، وقد تبخر حلمه، لم ينم حتى الصباح والحسرة تطارده، يتذكر رعونة المهاجمين والفرص المهدرة والتساؤلات في ذهنه، ماذا لو.. ماذا لو مرر أوزيل تلك الكرة لهيغواين؟ ماذا لو لم يسجل رونالدو ذلك الهدف؟ أو ماذا لو سجل راموس هدفه في وقت مبكر؟.. أما السؤال الذي كان على هيئة شبح يظهر لبويان كل مرة قدمه لوالده في الصباح: «هل العاشرة كذبة لا تتحقق؟».
أسئلة لم تظل ليوم واحد بل استمرت عامًا بأكمله، لكن هذه المرة «بويان» شد الرحيل رفقة والده إلى البرتغال، هناك حيث ملعب النور، «حلم العاشرة أقرب لنا من أي وقت مضى،! لا مجال للخسارة هنا، حتى في حال الخسارة فإن الاحتفالات ستكون في مدريد وستكون الليلة أكثر مرارة لو خسرنا وإن فزنا فهي ليلة لاتنسى!!».
هدف غودين وخروج القديس إيكر و90 دقيقة مرت، وفي كل دقيقة بويان يوجه سؤالًا لوالده الفارو!، الفارو أجاب بكلمات تلعثم في نطقها قبل أن يرفع الحكم الوقت المحتسب بدل الضائع: «يا ولدي ثمة أمل موجود وسنبقيه حيًاً سوية!».
كل تلك التساؤلات والسيناريوهات السوداء أزاحت نفسها عندما رأى بويان راموس يرتقي فوق الجميع، ليسجل هدفًاً ليحيي به جميع المدريدستا، هدف أتى بإصرار اثني عشر عاماً، قتل نصف من العاصمة وأحيا النصف الآخر.. الفارو والد بويان لم يقاوم دموعه، أما بويان تذكر بكاء راموس قبل عام فبكى!، أهداف ثلاثة أخرى في الأشواط الإضافية أكدت أن العاشرة خضعت.. العناق والدموع بين بويان ووالده أكبر من أن يحكيان ويوصفان.
لا أشتري عواطفكم بهذه الكلمات، فهي مشاعر أكبر وأغلى وأثمن من أن أستعطف بها أحداً.
مرت سنتان على الفوز بالعاشرة، والحقيقة أن تلك النشوة لم تستمر يوما واحدا بالنسبة لبويان الذي استيقظ في الصباح ليسأل والده: هل ستأتي الحادية عشرة يا أبي؟ أم أن العاشرة هي النهاية..؟
سنتان مرتا على تلك الكلمات، وبينما هما في الطائرة متوجهَينِ لميلانو لمشاهدة النهائي ضد الخصم ذاته، هذه المرة بويان كان أكثر تفاؤلاً، والفارو أكثر ثقةً، لكن ذلك الذي بكى بحرقة قبل ثلاثة أعوام وأعاد بويان وكل المدريدستا للحياة، قبل عامين كان أكثر إصراراً.. المجرم راموس قَتْل الأحلام هو أكثر شيء يتقنه، لقد سجل هدفًا في النهائي مرة أخرى.
ركلات الترجيح رجحت كفة ملك أوربا، وأسعدت بويان الذي لم يبكِ بل ظل مبتسماً هذه المرة وترك البكاء لفئة أخرى لم تحتمل كبر العدد.
مرت سنة أخرى ذهب بويان رفقة والده إلى نابولي في إيطاليا، في مواجهة الإياب من ثمن النهائي، شن نابولي هجوماً شرساً وسجلوا هدفاً، هدف آخر سيقصي ريال مديد ، لكن في كل مرة يفكر فيها بويان بالإحباط يظهر ذلك الرجل! ذلك الذي بكى قبل عدة أعوام أمام دورتموند، وكأنه أراد أن يبكي الجميع، قبل ان يتفوه بويان بسؤال لوالده ارتقى راموس مرتين وسجل هدفين قلب بهم النتيجة وبخر احلام الطليان، فظل بويان يتساءل.. راموس وإرتقاء وشامبيونز؟ فوجه سؤاله المعتاد: أبي.. هل هي الثانية عشرة؟
مر بويان على ميونخ وعاد للعاصمة، رأى ملكها يحرق نصفها، ومن ثم ذهب إلى كارديف، النهائي مرة أخرى والسنة الثانية توالياً، هذه المرة أمام السيدة العجوز.
كان بويان في الملعب يسأل والده قبل اللقاء: لم يحقق أحد اللقب مرتين توالياً يا أبي لكننا لم نأتِ إلى هنا لنشاهد فريقنا يخسر، هل سنكسر تلك القاعدة؟
أجاب والده الفارو: يابنّي نحن لا نعترف بقواعد ولا نرى حواجز، ريال مدريد هو من يضع الحواجز للآخرين في هذه البطولة، ويسلب أحلامهم، ويعبث كيفما شاء ونحن نحتفل ونرقص على صراخهم.
تجلّت ابتسامة تحمل الثقة على وجه بويان ورأى رونالدو ورفاقه يمطرون مرمى بوفون، كُسرت القاعدة وفاز ريال مدريد بها توالياً، وكأن هذه البطولة وجدت أرقامها لتتجول في أوربا حتى تصل لمدريد فتدفن.
رقم آخر ازداد ومجد عاد، بظرف أربع سنوات.. بويان نسي دموعه التي أهدرها في 2013 ورأى العاشرة التي ظن أنها لن تتحقق، ففرح بالعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة معاً، قبّل راموس الكأس ورفعها، حضن الفارو ولده بويان الذي سأله حينها: أمام من سنحتفل بالثالثة عشرة؟ أرجوك لا تقل بوفون، لا أحتمل مشاهدة دموع ذلك الرجل مرة أخرى.
قبل يومين كان بويان منتظراً القرعة ليعرف إلى أين يتوجب عليه السفر هذه المرة وهو متأكداً بأنه سيخرج من أسبانيا لعدم وجود ممثل آخر لها بين الأربعة الكبار، ويعلم أيضاً بأنه لن يرى دموع بوفون مرة أخرى، فدخل عليه والده قائلاً: ستكون رحلتنا إلى ميونخ هذه المرة يابنّي.
بويان: ميونخ مرة أخرى! لابأس.. الطريق مألوف..!
الفارو (والد بويان): هل هي الثالثة عشرة يا بنّي..؟
عمر محمد العمودي