خواطر من وحي مفاوضات الإمارات.. فك الارتباط.. من الدولة الاتحادية والاستفتاء إلى الانفصال المباشر

كتب/ رفقي عمر قاسم

تتناول هذه الأيام الصحف والمواقع الإلكترونية المختلفة ما يدور من مفاوضات في دولة الإمارات بين فرقاء العمل السياسي والاجتماعي الجنوبي الرئيسية، وما يراه الحاضرون من رؤى ووجهات نظر مختلفة، وفي البدء نشكر دولة الإمارات على استضافتها لهذه اللقاءات، آملين من السادة المفاوضين أن يتسع صدر الواحد منهم للآخر، ليخرجوا بما هو مفيد ومجدٍ لتحقيق ما يصبو إليه شعب الجنوب من بعد ما عانوه من الوحدة الاندماجية التي أصابته في مقتل للأسف، والذي لم يكن شعب برمته يتوقع مثل هذا المصير، وهو من قدم التضحيات وقدم الأرض والثروات، لتحقيق هدف كان من أسمى أهداف الشعب، ولم يكن يتوقع أن يصير ما صار وإلى يومنا هذا بعد أكثر من ربع قرن من الزمان يُعاني ويتألم.

المفاوضون لهم ثقلهم السياسي النسبي في الساحة، ماضيا وحاضرا، وإن لم يحضر البعض، لكن رؤاهم متواجدة بشكل أو بآخر ووضوح جلي وجيد، وهم يمثلون مكوناتهم أو أفرادا يكونون رؤاهم ورؤى الشعب الذي لا خلاف حوله ولا اختلاف إطلاقا، والاختلاف فقط بكيفية تطبيق والوصول إلى الهدف الأسمى، وهو فك الارتباط عن دولة الاندماج بعد أن اتضح أن هناك فروقات يجب أن تؤخذ بالحسبان لم يدركوها بتمعن حينها، وكان تصرفا فرديا من الحزب الشمولي، ونحمد الله أنه لم يؤخذ رأي الشعب بذلك وإلا كانت مصيبة دهماء.

الرؤى المختلفة حول كيفية استعادة الدولة

فك الارتباط هو الهدف الأسمى دون شك، ولكن كيف تطبيقه، وكيف إنجازه، وما هي السبل إلى ذلك وإمكانات تحقيقه؟ باعتقادي صحيح أن الحرب حررت أراضي الجنوب، ولكن الأمور لا تحل بشخطة قلم ولا بأمر ولا ينظر لها بمثل هكذا الرؤى، ولا ننسى الظروف المحيطة القطرية والإقليمية والعالمية ودور الأمم الكبرى ورءاها، وبماذا ستسمح، وبماذا ستعترض، لذا على المتحاورين أن يسيسوا الأمور بتروٍ واتقان دون تهور واندفاع ومحاكاة الواقع الحالي. اليوم في العالم وهو يدير الأمور من الناحية الاقتصادية والمصالح وانتهى عصر الثورات والقوميات وخير مثال على ذلك لنا القضية الكردية والكتالونية، وكذا استفتاء إيرلندا وأسكتلندا ومونتريال وكوبيك.. صحيح أن الجنوبيين باسطو أيديهم على الأرض، ولكن وجب التنسيق مع من سهل لهم الأمر وهم التحالف وبعض الدول الأخرى فيه، والأهم نشاط مواطني الجنوب الذين حرروا الأرض من عسكريين ومواطنين مدنيين في كل محافظات الجنوبية.

مما وضحناه سابقا أرى أن فك الارتباط بشخطة قلم غير متوقع ولا واقعي حتى لو الأرض بأيدينا، وإن تم فرض ذلك بالقوة فسيكون مصير الجنوب يتخبطه الانفلات والفوضى، وعليه لابد أن نرى حلولا وبدائل أخرى كدولة اتحادية بشكل كونفدرالي أو فدرالي.. وأعتقد أن دولة اتحادية من إقليمين هو ما يُدار اليوم في المفاوضات، ولكن لا ننسى أن يكون هناك شرط فعلي وجازم وبتوثيق ملزم لفترة يتفق عليها لاحقا، وأعتقد أن فترة 3/5 سنوات كحد أقصى على أن يتم الاستفتاء لاحقا لشعب الجنوب فقط ومنهم من مواليد 1990 أو 1970م لأن بعض المواطنين من حملة الجنسية الجنوبية حملوها بعد هذا التاريخ تعاطفا ودون وضوح ولا رؤية، ولا ننسى النظرة الأممية التي كانت سائدة أيام النظام الشمولي.

فلنفترض جدلا تم الاتفاق على الفترة المذكورة سابقا 3/5 سنوات وإقليمين.. السؤال الآن هل مكونات الجنوب المختلفة عندها تصور كيف ستكون الرؤى العملية والبرجماتية ليس داخليا فقط بإقليم الجنوب ولكن أيضا بالإقليم الآخر وهو الأهم باعتقادي السلوك والثقافة مختلفان إلى حد ما وأن تغربلت وتداخلت وتمازجت بفعل واقع الوحدة ليس انتقاصا من أحد ولكن واقعا يجب أن يؤخذ به حتى لا ننتكس ثانية.

الإقليم الجنوبي أعتقد في اتفاق مبدأي مسبق سيكون فيدرالي من ستة أقاليم أو محافظات أو قضاءات.. السؤال هنا كيف ستكون العلاقة مع الإقليم الآخر اقتصاديا واجتماعيا ومدنيا وسياحيا؟، وكيف ستنظم هذه العلاقات دون حساسية ولا إفراط حتى لا نثير أشقاءنا بالإقليم الآخر؟ وهل سيعاملون كمعاملة مواطنين على حدٍ سواء؟؟

نأخذ الإقليم الجنوبي على وجه الخصوص، هل هناك رؤية جنوبية للإقليم الجنوبي وبالذات من الناحية الاقتصادية والأمنية والمدنية والاجتماعية والإدارية؟ وهل توجد موارد لتحقيق بيئة آمنة مدنية ونظيفة تلبي هذه الأهداف، ولا يجب علينا أن ننسى ما حدث من مآسٍ ونكبات أيام الحكم الشمولي من اقتتال وتأميم وتعذيب وسحل وضحايا وطرد الكفاءات وتسفيرهم، هذه فقط عينات يجب أن تؤخذ بالحسبان لأن أي إدارة في الإقليم الجنوبي ستكون إدارة دولة ومواطني الإقليم أمام القانون على حد سواء، وكل ما صار وحدث سابقا يجب أن يُفكر بحلول لجبر خواطر المواطنين كافة، وما مارس ضدهم من عنف، ولا فضل محافظة على أخرى..

كتب/ رفقي عمر قاسم
                                                        ​