فن الاختيار أساس النجاح

مازن الشحيري

قبل أن أحكي لكم القصة التي ألهمتني لكتابة هذا المقال سأبدأ بهذا التمهيد، وهي القصة الشهيرة للجاسوس السوفيتي الذي تم اكتشاف أمره في أمريكا أثناء الحرب الباردة بعد مراقبة طويلة له وبعد أن وصل إلى مركز مرموق فى الولايات المتحدة الأمريكا.. وأثناء التحقيق معه عما كان يعمله وما هي طبيعة المهمة المكلف بها قال لهم دوري هو اختيار أسوأ الكوادر المتقدمين للوظائف التي أنا مسئول عنها، ورفْض كل ذي كفاءة لتولي تلك الوظائف، هذا هو دوري فقط بأن اختار أسوأ الكودار فهم أخطر عليكم من أي سلاح.

أما بالنسبة للقصة التي حصلت معي أنا، فقد تعاملت مع نوعين من الناس بنفس اليوم في أبسط صور التعامل اليومية، لكن لها معنى كبير جدا رغم بساطتها، فقد ذهبت لشراء (بلت) قيمته 50 ريالا يمني، وعرضت كل الفلوس ذات الفئة الصغيرة التي معي وهي سليمة، لكن ليست جديدة، لكن رفض البائع تلك الفلوس لكونها ليست جديدة، وكما يعلم الجميع أن هذه الفئات لا توجد منها طبع جديدة، لكن التمست العذر للبائع وأعطيته 500 ريال طبعة جديدة، فقال لا يوجد لدي صرف، فقلت له خذها وأنا سآخذ «البلت» لكوني محتاج له، وسأعود إليك غدا وأعطيك الـ 50 ريالا ، وإذا ما عدت فسامحك الله، حلال عليك الـ 500 ريال، وكان الوقت قبل المغرب بوقت قصير في رمضان.. لكن رفض البائع بكل عنجهية وبشكل غريب وفشلت كل المحاولات لإقناعه حتى أنى قلت له خذ الـ 500 إذاً وأعطني (البلت) فأنا بحاجة إليه لإصلاح المولد الكهربائي الخاص بي، ولدي أمراض كبار في السن يحتاجون للمولد والوقت قصير الآن لا أستطيع أن أذهب لمكان آخر، لكن دون جدوى فخرجت من المحل وأنا متعجب من الذي وضع مثل هذا الشخص في محل تجاري وذهبت بطريقي، وفى نفس اليوم في الليل كنت أقود سيارتي وتوقفت بجانب كفتيريا أريد قلص شاهي سفري، وأعطيت العامل عملة فئة  250 ريالا، وانتظرت بسيارتي لحظات وجاء لي العامل وهو شاب فى مقتبل العمر يحمل قلص الشاهي وبيده مناديل كلينكس وأعطاني الشاهي والكلينكس وكذا أعطاني الـ250 ريالا وقال لى آسف لا يوجد معنا صرف قلت له طيب خذ الـ 250، فقال لا، أنت في أي وقت تمر جيب قيمة الشاهي، فالمحل محلك، وإذا نسيت أو لم تستطع فلا عليك، بعد ذلك انصرفت وتذكرت معاملة العامل في محل قطع الغيار مقارنة بمعاملة هذا الشاب العامل في الكفتيريا ، فقد أجبرنى هذا الشاب الصغير بتعامله أني كل ما أريد أي شيء من الكفتيريات أذهب لهذه الكفتيريا رغم أني لم التق بهذا الشاب مرة أخرى في عدة زيارات لهذه الكفتيريا رغم أن مالك الكفتيريا قد يكون إنسانا لا يستطيع التعامل مع الناس لكنه استطاع اختيار الرجال المناسبين لعمله الذي أدى إلى كسب زبائن له يوما بعد يوم عن طريق حسن التعامل فقط   بعكس محل قطع الغيار الذي أخبرت كل من اعرفهم بسوء أخلاق هذا المحل رغم أن مالك المحل ربما يكون ذا أخلاق عالية لكن أساء اختيار الرجال المناسبين لإدارة عمله  إلذي سوف يتسبب بخسارة العملاء والزبائن له يوما بعد يوم وكل هذا يندرج تحت بند (ضع الرجل المناسب بالمكان المناسب)، هذا القصة اجبرتني على التفكير طويلا بوضعنا الحالي وخاصة فى ترتيب صفوف من نثق بهم  فأكبر مشكلة تواجههم هي عدم وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، فقد يكون الإنسان وطنيا ومناضلا لكن المكان الذي تم وضعه فيه لا يتناسب مع إمكانياته في التعامل مع المجتمع، فليس كل ذي أخلاق على سبيل المثال يجيد فن التعامل مع المجتمع عبر الوظيفة الممنوحة له، وقد يكون وضعه فى مكان يناسب قدراته يخدم به الجهة التي يمثلها بشكل إيجابى أكثر بكثير، لكن أن تضعه فى غير موضعه فهذا يعكس انطباعا سلبيا على المجتمع ليس تجاه الشخص نفسه بل تجاه الجهة أو المؤسسة التي يعمل بها أكانت خاصة أو حكومية..   وكما يقول المثل «السيئة تعم والحسنة تخص».

 فالعبرة من هذه القصة هي أن التهاون في جانب وضع الرجل المناسب في المكان المناسب واستبداله بالولاء أو المناطقية أو لأي سبب آخر وتقديمها على كفاءة الشخص وإمكانياته العملية، فهذا خطأ فادح لا يستهان به، فتراكم مثل هكذا أمور كفيلة بالقضاء على أي مؤسسة مهما كانت ومهما كان صاحبها أو قائده، ومع مرور الزمن سوف تتلاشى ولن تحقق أي نجاح مهما كانت أهدافها نبيلة ووطنية، حتى وإن كان كل من يعمل بها ذا أخلاق وأمانة وطنية، لكن تم وضعهم بالمكان الخطأ متجاهلين نقطة الإمكانيات لكل شخص بعكس المؤسسات التى تهتم بنقطة الإمكانيات كنقطة أساسية في توزيع المهام بين أفرادها كلا في موضعه الذى يستطيع أن يبدع فيه حسب إمكانياته،  حتى تلك المؤسسات الإجرامية التي كلها مجرمون والتى إذا اعتمدت على توزيع كوادرها بشكل صحيح وكل شخص في مكانه المناسب له فإنها ستعيش - أي تلك الموسسات الإجرامية - لزمن أطول بكثير من المؤسسات الوطنية التي لا تعمل بقاعدة ضع الرجل المناسب في المكان المناسب... فن التعامل أساس الحياة وليس شيئا ثانويا من أجاده نجح ومن لم يجده فشل في كل نواحي الحياة، ثم بعد ذلك تأتي الأسباب الأخرى والأمثلة بهذا الخصوص التي لا حصر لها .
وأخيرا نقول للقادة والمسؤولين بأن عليهم أن يعلموا أن بعض ممن حولهم أناس سيئون، وأن فشل من حولهم يعني فشلهم هم، والعكس صحيح فنجاح من حولهم يعني نجاحهم.