بعيدا عن سوريا.. ما الذي يفعله «حزب الله» في اليمن؟

> ميرفت عوف*

> على جبال اليمن حيث يُحصد من أشجار العناب عسل السدر الملكي، تستمر منذ أكثر من سبعة أعوام الحرب اليمنية، فعليها أقيمت معاقل الحوثيين التي تستهدفها القوات اليمنية الحكومية وقوات التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية.
وفيما لكل من الطرفين حلفاؤه وداعموه، انطلق «حامي الشيعة الأول» إلى اليمن السعيد ليشارك في الحرب الأهلية التي اندلعت في 26 من سبتمبر عام 2011، إنهم عناصر «حزب الله اللبناني» الذين اختاروا أو دفعوا من قبل إيران في نظر البعض لدعم الحوثيين الذين ينتمون للطائفة الشيعية، ولنفس بيئتهم العربية، وفيما كانت أدلة مشاركتهم في القتال شحيحة لوقت ما، انطلقت الحكومة اليمنية مؤخرًا للاحتجاج رسميًا على هذه المشاركة لدى الحكومة اللبنانية بعد حصولها على العديد من الدلائل على هذه المشاركة.

اليمن يشكو حزب الله
احتجّ اليمن، قبل أيام بشكل رسمي على «تدخّل حزب الله في شؤونه الداخلية، ودعمه لجماعة الحوثي»، فأرسل وزير الخارجية اليمني، خالد اليماني إلى الحكومة اللبنانية رسالة تفيد بـ«احتجاج وإدانة الحكومة الشرعية ببلاده لتصريحات وممارسات حزب الله ضد اليمن».

كما تحدثت الحكومة اليمنية مرارًا وتكرارًا عن عثورها على وثائق بالمواقع العسكرية الحوثية المهجورة تؤكد مشاركة حزب الله في القتال اليمني، وحسب دورية «فورين أفيرز» الأمريكية فإن برنامج تدريب وتجهيز الحوثيين في اليمن إيراني، ويأتي بوصفه نسخة ثانية من حزب الله اللبناني، ويضيف التقرير أن الرئيس هادي أكد: «أنه تلقى رسالة من زعيم الحزب حسن نصر الله، كتب فيها (وصل مقاتلونا في اليمن لتعليم الشعب اليمني جوهر الحكم)»، وكذلك كان واحدًا من أبرز الأدلة التي تبنتها الحكومة اليمنية، هو ما نشر في مايو 2017، عن مصادر في التحالف العربي ويؤكد أن الحوثيين وضمن الدعاية الحربية استعانوا بخبراء من حزب الله لإعداد لقطات مصورة تظهر استهداف سيارات تابعة للتحالف في اليمن، وذلك باستخدام خدع تصويرية عبر ما يُعرف بالإعلام الحربي، تلك التسمية الإيرانية المعروفة.

لماذا ينفي نصر الله؟
«لا ننفي ولا نثبت تواجدنا في اليمن»، كان هذا آخر ما قاله الأمين العام لـحزب الله اللبناني، حسن نصر الله في مسيرة نفيه المتكرر لدور الحزب في اليمن، كان ذلك في 29 يونيو الماضي، وخلال كلمة متلفزة.
لقد بقي نصرالله ينفي باستمرار حقيقة هذا التدخل في اليمن، فقال ردًا على اتهام الحزب بالتورط في إطلاق صاروخ باليستي من اليمن باتجاه الأراضي السعودية: «لا علاقة لأي رجل من حزب الله اللبناني بإطلاق هذا الصاروخ، أنفي بشكل قاطع هذا الاتهام الذي لا يستند إلى حقيقة ولا إلى دليل»، ووصل زعيم الحزب بالنفي حتى عممه على كافة الدول العربية التي يتهم بالتدخل بها، فجزم أنه: «لم نرسل سلاحًا إلى اليمن ولا سلاحًا إلى البحرين ولا إلى الكويت، ولا إلى العراق، لم نرسل سلاحًا لأي بلد عربي، لا صواريخ باليستية ولا أسلحة متطورة ولا حتى مسدسًا»، وعند العراق يفضل البعض الوقوف للاستشهاد بتجربة نفي متكررة من قبل حسن نصر الله بأن الحزب لا يتدخل ببغداد، مؤكدين أنه فند بنفسه هذا النفي بعد ذلك حين قال: «حزب الله مستعد لسحب عدد كبير من قادته من العراق بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية هناك».

لكن الحزب الذي يوسع ترسانته عن طريق شراء صواريخ وتكنولوجيا صواريخ متطورة بحسب بعض المصادر، وينفي القتال في اليمن أو إرسال الأسلحة إلى الحوثيين أو إطلاق الصواريخ على السعودية من اليمن، لا يخفي دعمه السياسي لمواقف الحوثيين، فزعيمه نصر الله لا يفوت الكثير من الفرص لتأكيد هذا الدعم، والتي كان من آخرها إرسال تعزية بمقتل «رئيس المجلس السياسي الأعلى في اليمن» صالح الصماد.
وعلى جانب آخر أكد الحوثي أن الحوثيين مستعدون للقتال إلى جانب حزب الله ضد إسرائيل، فقال: «إذا تورطت إسرائيل بحرب جديدة على لبنان، فإننا لن نتردد في إرسال المقاتلين، وأبلغت الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بذلك أن هناك أعدادًا كبيرة من رجال قبائل اليمن يطمحون للقتال ضد إسرائيل».

هل يدعم حزب الله الحوثيين؟
في ديسمبر عام 2015، عقدت في منتجع ماكلينج بمدينة بيل السويسرية جولة مفاوضات يمنية برعاية الأمم المتحدة، وفيما كان المتوقع أن يكون الحضور يمنيًا خالصًا من طرف الحوثيين والحكومة اليمنية، ظهر القيادي في حزب الله، ناصر أخضر خارج غرفة المفاوضات، يتحدث بين الفنية والأخرى مع قيادات حوثية.

أظهر هذا المشهد حقيقة وجود مستوى عال من المتابعة لدى حزب الله مع القيادة الحوثية في العمل السياسي، وفرض اسم أخضر الذي يكنى بـ«أبو مصطفى» باعتباره أهم الشخصيات الاستشارية من الحزب لدى الحوثيين، وكذلك باعتباره مسؤولًا أول عن الملف اليمني وحلقة وصل بين الحوثيين وإيران، وبالعودة إلى ما قبل ذلك، لعب الرجل دورًا أساسيًّا في ترتيب عمل الأحزاب والمنظمات التي ارتبطت بعلاقات دافئة مع إيران في اليمن، وأتاح له شغل منصب الأمين العام لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية (منظمة إيرانية) إدارة الماكينة الإعلامية للحوثيين التي تبث من بيروت، فهو يدير بصفة مباشرة قناة (الساحات) التي تدعمها طهران من لبنان إلى جوار قناة (المسيرة)، الناطقة باسم الحوثيين.

ورغم أن الأدلة التي تثبت تدخل حزب الله في اليمن بقيت لفترة ما شحيحة، لكن على جانب آخر أكد دومًا الداعمون لتلك الفرضية أن الحزب والحوثيين لم يخفوا أن العلاقات بينهما تمتد إلى أكثر من عقد من الزمن، وإن كانوا يؤكدون على أن «هذه ليست علاقة يكون فيها جانب واحد في السيطرة، والآخر يتبعه بدون إدراك، نحن نتبادل الخبرات والأيديولوجيا، لدينا الشخصية الخاصة بنا، وطريقتنا في إنجاز أمورنا، فليس الهدف بناء نموذج لحزب الله في اليمن»، كما قال مصدر في حزب الله سابقًا لـ«فاينانشيال تايمز» البريطانية، فيما أضاف قيادي آخر في الحزب أنهم «تدربوا معنا في إيران، ومن ثم، قمنا بتدريبهم هنا وفي اليمن، اليمنيون مقاتلون شرسون وأذكياء، لا يمكنك تخيل ما مروا من خلاله».

وفي حين كان على إيران تدريب المسلحين الحوثيين من وجهة نظر مؤكدي هذه الفرضية، تولى حزب الله بحسبهم مهمة التمويل والتدريب الإعلامي للمجموعات المسلحة بالإضافة للتدريب العسكري اللازم، وقام الحزب بحسب أصحاب وجهة النظر تلك والتي يدعمونها بالأدلة المذكوة سابقًا بتوجيه إيراني بـدعم الحوثيين لسنوات، وأنه تحت غطاء الكشافة الذي يستقطب الشباب اليمني في لبنان، يبدأ البناء الفكري والعسكري في مخيمات كشفية خاصة تقام بالضاحية الجنوبية بلبنان منذ سنوات، كما يوفر الحزب سفر هؤلاء إلى إيران من خلال تسهيل دخولهم إلى لبنان، وللإفلات من قبضة الأمن اليمني، يتم السفر عبر لبنان وسوريا إلى إيران دون ختم تأشيرة على الجواز، وذلك بحسب المقتنعين بأدلة تدخل الحزب في اليمن.

مهام حزب الله في اليمن
«الحزب نشأ وبنى خبراته في بيئة عربية، ولديه ميزة التواصل السهل مع البيئة العربية وإدارة الأزمات والانخراط في الحروب ونقل الخبرات إلى التنظيمات والجماعات التي تعمل إيران على بنائها في بلدان عدة من بينها اليمن وتأخذ أسماء حركية مشابهة لحزب الله»، تلك واحدة من الأسباب التي جعلت إيران تدفع  بحزب الله للانخراط في الشأن اليمني، كما يقول لنا المحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي.

فإيران بحسبه تعتمد على حزب الله بوصفه ذراعًا عسكريًّا ولوجستيًّا في التعاطي مع الأزمات الإقليمية وفي تحقيق أهداف النفوذ والتوسع الإيراني في المنطقة لعدة أسباب، ويتابع التميمي القول لـ«ساسة بوست»: «لقد استثمرت إيران في حزب الله بسخاء وهو اليوم ليس حزبًا فقط بل منظمة عسكرية عابرة للحدود وذراعًا لوجستيًّا يقوم بإدارة مشاريع اقتصادية ويساهم في تمويل مشاريع استثمارية والضلوع في عمليات غسيل أموال وتجارة الممنوعات في أمريكا اللاتينية وشرق أفريقيا».

ويشير التميمي إلى أنه ليس بسر القول إن حزب الله وجد في اليمن في صور عدة إحداها في صورة مستثمر غير مكشوف له أسهم كبيرة في إحدى أهم شركات الهاتف النقال في البلاد هي شركة (أم تي أن) التي كانت تحمل اسم (سبيستل)، قبل أن تصبح جزءًا من الشركة الجنوب أفريقية (MTN) وهناك مستشفيات في العاصمة صنعاء مملوكة للحزب بينها مستشفى لعلاج أمراض القلب وللحزب عقارات في صنعاء إلى جانب إسهامه في بناء الاقتصاد الموازي الذي يشكل أحد الموارد المهمة لجماعة الحوثي، بحسبه.

أما الباحث اليمني المتخصص في الشؤون الإيرانية عدنان هاشم، فيقول إنّ: «إيران تعتمد على حزب الله باعتباره حلقة وصل ومساندة للحوثيين في الحرب الدائرة باليمن، لعدة أسباب، أبرزها نظرة الحوثيين اليمنيين لحزب الله بوصفه مقاومًا وضمن محور الممانعة، كما أنّ الحزب يحتضن قيادات الجماعة الموجودة خارج البلاد، إلى جانب وسائل إعلامها في لبنان»، ويضيف «يمتلك الحوثيون وحزب الله قواسم عربية مشتركة عدا الإيرانيين، لكن ذلك لا يعني أن إيران لا تملك خطًا ثقيلًا من التواصل مع الحوثيين بشكل دائم، لكن معظم التفاصيل تخوض فيها الجماعة مع حزب الله اللبناني ذراع إيران الأخرى».

وتعد المهام العسكرية للحزب على رأس أولوياته في اليمن، فبعد أن درب الحوثيين في معسكرات خاصة في لبنان تحقيقًا لعدة غايات، كان عليه أن يتابع ويدعم من درب بشتى الوسائل، لدرجة أنه قيل إن الحوثيين اعتمدوا أساليب قتال حزب الله بحرفيتها، ويتحدث تقرير مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن استراتيجية القتال المتشابه بين الحزب والحوثيين، فيذكر أنه: «بحسب عقيدة عسكرية تفيد بالإبقاء على درجة من المناعة ضد التفوق الجوي للطرف الأكثر تفوقًا، مع الاستفادة تدريجيًا من نقاط ضعف هذا الأخير، وذلك من خلال قصف الأهداف العسكرية والمدنية عبر الحدود».

ويضيف التقرير: «ويفترض هذا النموذج أنّ الطرف الأقوى سيضطر في نهاية المطاف إلى الحد من غاراته الجوية أو وقفها، أو المجازفة أكثر ونشر قوات برية، ومما لا شك فيه أنّ المناورات البرية في الصراعات غير المتكافئة غالبًا ما تكون مكلفة، وتميل إلى ترجيح كفّة المنظمات المسلحة»، وحسب التقرير فإنه: «كان حسن نصر الله العقل المدبر لمعظم ما حدث على الحدود السعودية اليمنية».

وتعد أهم مساعدة قدمتها إيران للحوثيين هي تكنولوجيا الصواريخ الباليستية وخبرتها، فبعد أن طورت إيران بنية تحتية صاروخية كبيرة وزودت حزب الله بها، أخذت بتوفير التدريب والخبرة القتالية للحوثيين بداية في مخيمات استهدفهم في لبنان، يقول خبير الشؤون الإسلامية، أحمد الأيوبي: «حزب الله قبل عاصفة الحزم كان لديه مستشارون وخبراء يدربون الحوثيين في اليمن وجاءت عاصفة الحزم مفاجئة للجميع لذا من المحتمل إصابة بعض العناصر التابعة للحزب، من الموجودين في اليمن»، ويضيف لموقع «جنوبية» اللبناني أن: «تورط حزب الله وإيران واضح، وهو قائم بالأساس من خلال الكوادر المدربة للحوثيين والتي رفعت مستواها ومن خلال بناء القواعد الحربية، عدا السفن التي تضخ أسلحة في بعض مطارات اليمن. فحزب الله يرعى التمرد الحوثي منذ البداية معنويًا وحتّى إعلاميًا».
* عن موقع (ساسة بوست)​

> أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى