«الحضارمة» خارطة سير شعرية واضحة المعالم للساحل الجنوبي لليمن

أحمد باحارثة

 الرحيل بمختلف ظروفه وتنوع أهدافه وغاياته عرفه الإنسان العربي في جاهليته، وفي إسلامه، ونتجت عن تجاربه ومعاناته قصائد ومقامات، قصص وحكايات، انطباعات ومشاهدات دوّنتها أقلام مهاجرين ومغتربين ورحالة عرب لتشكل في مجملها سفراً باذخاً في الثراء والوفرة والتنوع، فضلاً عن التنامي المضطرد في تطوره مضموناً بالانتقال من التعبير عن الاختلاجات الذاتية، إلى التعبير عن الروح الجماعية بأبعادها الوطنية والقومية والإنسانية.

وقد كان أدب وقصص وأعمال الرحالة عبر التاريخ وما يزال يأخذ الألباب، وهو بقدر ما يشبع الرغبات المادية والروحية لبني البشر بما يشيعه من بهجة في النفوس، وطرب القلوب وإثارة لمشاعر الخيال، بقدر ما ينزع إلى تلبية حاجات العقل والمنطق، اللذين يشكلان الانعكاس الموضوعي للحركة والأحداث الخارجية المعبرة عن أصل الوجود والطبيعة، وحياة الناس وطبيعة معاشهم وصور تفكيرهم، وأضراب سلوكهم، واختلاف وتنوع درجة تطورهم. أضف إلى ذلك أن أدب الرحلات مفعم بالأسرار والعجائب، وهو يندفع كالسيل في اختراق الحواجز واجتياز العوائق، شاقاً طريقه في رحاب المجهول وسط السهول والوديان والجبال والصحارى، وحتى الفضاء وأعماق المحيطات، فضلاً عن الإبحار في نفس الوقت داخل النفس البشرية.

وقد ظل حرص الحضارمة من رحالة ونواخيذ وربابنة، ومهاجرين وأدباء وكتاب وشعراء على تدوين ما خلصوا إليه من خبرات وتجارب ومعارف وعلوم عن رحلاتهم وأسفارهم البرية والبحرية، ظل هذا الحرص موصولاً بما يجعله يشكل باباً بالغ الثراء والوفرة والتنوع في مضمار (أدب الرحلات).

وأصبح مألوفاً عند الشعراء الشعبيين في حضرموت تحميلهم رسائلهم المنظومة (مسرّحاتهم) لرسل (مبعوثين)- حقيقة حيناً وتخيلاً حيناً آخر- يحملونها لهم من مواطن إقامتهم إلى مَن يأتمنونهم في حملها إليه في موطن آخر، فنجد الشعراء يبدون حرصاً على تحديد معالم خطوط السير لمبعوثيهم، ربما لتسهيل مهمة المبعوث، وجعله على دراية بذلك، وربما يروم الشاعر من ذلك أن يظهر للآخرين ما لديه من معرفة وخبرة بمعالم وخطوط السفر.

ومثالاً على ذلك قصيدة الشاعر الشعبي سالم أحمد بانبوع، التي سرّحها من بندر العيدروس (مدينة عدن)، إلى بندر يعقوب (مدينة المكلا)، فنجده قد استهلها بمفتتح تقليدي معهود عند الشعراء الحضارمة، يتمثل في الثناء على الله وشكره وحمده على نعمه، ثم الصلاة والتسليم على نبيه الكريم (صلى الله عليه وسلم) وآله وصحبه.

بعد ذلك يتجه بخطابه إلى من عنَّاه (كلّفه) أو (المعتني) حسب تعبيره، بإيصال رسالته (مسرّحته) فأوصاه وأرشده:
«وبعد يا معتنِيْ جَدّ السفَرْ     لاَ هزَكْ الشُوقْ وذكَرتْ العيَالْ
إن (المعتني) هنا كما هو بادٍ لنا، لديه دُربة وخبرة بمسارات الإبحار، وصانع ومتخذ قرار، وإلا ما استحثه الشاعر بالجد في سفره، إذ لو لم يكن لديه وبيده شيء من ذلك، فإنه ليس بمقدوره الإسراع أو التهوين والتواني في إبحاره من مرسى السفن الشراعية في (المعلاّ)، بعدما عقد العزم على المغادرة والسفر من عدن البندر الذائع الصيت، الذي أصبح اسمه يُذكر مقروناً بالإمام العلاّمة الشاعر الصوفي أبو بكر بن عبد الله العيدروس (بندر العيدروس)، تعبيراً عن مكانته ورسوخها في الوجدان الجمعي للعدنيين.

وقد حرص على مخاطبة مبعوثه بتعابير ومفردات من قاموس بحارة السفن الشراعية لتصل إرشاداته ووصاياه لمبعوثه دون غموض أو لِبس، وربما ليظهر للأخير ما لديه من معرفة ودراية بالتعابير والمفردات التي يستخدمها البحارة. استخدم للإيعاز بالانطلاق تعبير (شمُرْ)، وتعني عند أهل البحر رفع ونصب شراع السفينة إيذاناً بإبحارها، وهذا التعبير لا يُقال في الأشخاص إلا من قبيل المجاز، فيقال عمن يمر بآخر أو بآخرين مسرعاً في عجالة من أمره لا يلوي على شيء (فلان شمَرْ) أو (فلان شَامر) أوصى صاحبه أن يشمر (يبحر) عصراً، غير أنه اشترط أن تكون الرياح مستمرة غير متقطعة ومؤاتية للإبحار (ريحك سبَر)، ولا يهم إن كانت هذه الرياح موسمية شمالية شرقية (الزيب) أو شمالية (شمال)، فهذه أو تلك ستبحر بـ(المعتني) وتوصله إلى حيث يروم إلقاء مرساة إبحاره وعصا ترحاله وسفره، ولكن ليس قبل أن يرشده من عنّاه بخط الإبحار الذي ينبغي له أن يهتد بالسير عليه، موضحاً له ما سيمر به من مواطن ومعالم, وما عليه القيام به عند التوقف أو المرور بالعض منها:
«دخُلْ لشُقرا وخُذْ فيها قدَرْ    
  قَصدْ السَقِيِّةْ وقصَرْ عَا الحبَالْ
خارطة سير شعرية واضحة المعالم للساحل الجنوبي لليمن، إذ لم يترك الشاعر بانبوع شاردة ولا واردة إلا أوضحها وأبانها لمبعوثه، وزاد على هذا أن زوّده بإرشادات توجيهية أشار عليه الأخذ بها في بعض تلك المواضع التي سيمر بها في إبحاره نحو المكلا.