نازحو الحديدة في عدن.. الهروب من الموت قتلا إلى الموت قهرا

تقرير/ عبدالله مجيد

جانب من سكن النازحون بجمعية «التعايش الاجتماعي»
أكثر من 600 أسرة تعيش في عشش وأحواش غير صالحة للسكن

في داخل خيمة منصوبة بثلاثة أعمدة خشبية بالشيخ عثمان يسكن النازح أحمد حسن فتيني (47 عاما) بمعية أسرته المكونة من خمسة أفراد، بعد أن شردتهم الحرب الدائرة رحاها في محافظة الحديدة لنحو أربع سنين.

فيما تسكن أكثر من 600 أسرة أخرى في عشش وأحواش وعمائر مهجورة أو مازلت في طور البناء بمناطق: الممدارة، والمحاريق، وكود العثماني بالشيخ عثمان، وسط العاصمة عدن، ضمن مجاميع تفتقر لأبسط متطلبات السكن وفق تصريح مسؤول جمعية متخصصة لـ«الأيام».

وفي الوقت الذي تُعاني فيه النساء والأطفال من الافتقار للحمامات، يضطر الرجال للمبيت على أرصفة الشوارع والطرقات نتيجة الازدحام.

حرب وتشرد
يقول فتيني "قضيت وأسرتي ثلاث أيام لتصفية المكان من الأتربة والأوساخ؛ لنتمكن من نصب الخيمة التي قُدِمت لنا من فاعل خير”.. ويضيف بصوت خافت بعد أن خنقته العبرة "والله إن معظم الأوقات تمر علينا من دون أكل، وزوجتي على وشك الولادة، ولا يتوفر موقع مناسب لنستحم فيه، إننا نعيش مأساة لا تقل عن الحرب التي نزحنا جراءها”.

ويعيش النازحون بعدن في ظل أوضاع إنسانية أقل ما توصف بـ "المأساوية"، فمنذ تشردهم قبل عدة أشهر لم يتلقوا أي رعاية أو اهتمام من الجهات المسؤولة في الحديدة، وحضور خجول جداً من قِبل بعض المنظمات لا يرقى لمستوى الحاجة والوضع المعيشي والمادي الصعب.

إعاقات وأمراض مستعصية
وأوضح رئيس "جمعية التعايش الاجتماعي" م.عبدالله قاسم عبدربه السقاف، أن الجمعية تأوي العديد من النازحين المعاقين جراء الحرب وآخرين مصابين بأمراض مستعصية منها السرطان.
وتضم الجمعية الكائنة في منطقة الكود بمديرية الشيخ عثمان عشرات الأسر المشردة من محافظة الحديدة جراء الحرب التي تشهدها لأكثر من ثلاث سنين بين أفراد ألوية العمالقة والقوات المشتركة من جهة وقوات الحوثي من جهة أخرى.

ويُعاني النازحون في هذه الجمعية والتي تأسست عام 2000م من ازدحام كبير في المسكن وشح في المواد الغذائية والإيوائية وغيرها، غير أن أوضاعهم فيها تُعد أفضل من مئات الأسر الأخرى في المديرية ومديرية دار سعد والذين اُضطروا للعيش في أماكن غير صالحة بتاتًا للسكن الأدمي كالأحواش والعمائر التي ما تزال في طور البناء أو البيوت المهجورة، والتي لا تتوفر فيها أبسط المتطلبات كالحمامات أو أسقف تقيهم حرارة الشمس.

وكان اهتمام الجمعية يتركز بحسب رئيسها م. عبدالله السقاف في المناطق الأشد فقرًا لا سيما ذوي الاحتياجات الخاصة والمعوزين.. قبل أن تبدأ مؤخرًا وتحديدًا بعد عيد الفطر المبارك بفتح بابها لاستقبال الحالات النازحة من محافظة الحديدة والتي بلغت نحو 53 أسرة تم إيواؤهم في ظل إمكانات مادية محدودة، مع تقديم ما يمكن تقديمه لهم من مساعدات غذائية بالتعاون مع فاعلي الخير، وإيوائية من “صناع النهضة” بدعم من “المفوضية السامية لشؤون اللاجئين”.

وأوضح السقاف في تصريحه لـ«الأيام» أن أفراد الأسر التي استقبلتها الجمعية يتراوحون ما بين (4-9 أفراد) غالبيتهم من الأطفال، ما تزال نحو 20 أسرة منها تسكن في مقر الجمعية فيما غادرتها الأخرى نتيجة الازدحام، للعيش في أحواش ومبانٍ غير مكتملة.
وتعرض كثير من آباء النازحين للاعتقال والاحتجاز من قِبل الحوثيين أثناء نزوحهم أو قبله للتحقيق معهم وثني بعضهم عن مغادرة منازلهم إلى عدن وفق إفادة أقرباء لهم لـ«الأيام».

دعم غير كاف
وأشار السقاف إلى أن منظمته تعمل حاليًا "كوسيط بين النازحين والمنظمات الداعمة لتوفير المواد الغذائية والاستهلاكية، غير أن ما يصلها من بعض المنظمات غير كاف وبجهود شخصية نتيجة لبطء تجاوب بعض المنظمات الدولية"، متمنيًا “وجود تعاون وشراكة حقيقية بين كافة المنظمات والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان؛ والذي من شأنه أن يوفر المتطلبات والاحتياجات التي تضمن العيش الكريم للأسر النازحة جراء الحرب الذي تشهده مناطقهم في الحديدة”.

ودعا الجهات الرسمية في الحكومة والسلطة المحلية بالحديدة بسرعة التجاوب مع معاناة الأسر المشردة، والتي قال إنها تركز اهتماماتها على النازحين المتواجدين في المراكز العامة فقط (مجتمعية) مهملة في ذلك أماكن التجمع الخاص وفي مقدمتها “مخيم التعايش الاجتماعي” والذي أصبح مكتظًا بالنازحين وغير قادر على استيعاب المزيد”.

وأضاف: "في ظل التدفق المستمر والمتزايد اضطررنا إلى البحث عن ماكن أخرى لاستيعابهم فيها كالأحواش، والعمائر غير المكتملة، وهي مواقع تفتقر لأبسط الخدمات في ظل مستوى معيشي متردٍّ فضلًا عن انعدام الأمن والاستقرار:.

تأزم للحالة المعيشية والصحية
أديب أحمد عبده (36 عاما) أحد نازحي مديرية الميناء بالحديدة خلال فترة ما بعد عيد الفطر المبارك الماضي إلى العاصمة عدن، نتيجة الحرب التي تشهدها منطقته، عانى أثناء خروجه وأسرته الكثير، حيث استغرقت مدة سفرهم نحو عشرين ساعة، بدأت منذ الساعة السابعة صباحاً حتى الثانية والنصف قُبيل فجر اليوم التالي بسبب ما تعرضوا له من مضايقات وإيقاف مصحوبة بتفتيش لهم ولأمتعتهم من جماعة الحوثي الانقلابية، في الوقت الذي لا تستغرق فيه الرحلة أكثر من ست ساعات.

وأوضح عبده في سياق حديثه لـ “الأيام” أن الكثير من المواطنين ممّن لا يصطحبون عوائل مُنعوا من النزول إلى عدن من قبل الحوثيين.

وصل النازح أديب عبده وأسرته فجرًا وأُجبر على النزول في أحد فنادق المدينة بما تبقى معه من مال، وفي الصباح ذهب إلى مخيم النازحين في منطقة الرباط بصبر لحج، وهناك مكث وأسرته لعشرة أيام، ونتيجة لتأزم حالة ابنه المصاب بمرض “الربو”، تحسس في الجهاز التنفسي، بسبب الأتربة والرياح غادر المخيم وتوجه إلى مديرية الشيخ عثمان حيث سكن عند أحد أقربائه لعشرين يوما.

يقول عبده في سرده لمرارة التشرد “خلال هذه الفترة تواصلتُ مع عبدالله السقاف مسؤول مخيم “جمعية التعايش الاجتماعي” وشرحت له مدى معاناتنا جراء النزوح، وقد تجاوب مشكورًا معي بفتح المخيم لي ولأسرتي، وحاليا نعيش في نصف سكن نتيجة الازدحام الكبير، بل إن أطفالنا ونساءنا يحرمون من استخدام الحمام في الصباح؛ لحضور أعضاء الجمعية لتأدية الدوام”.

الحرمان من الإغاثة
حسن حسين معروف عكيش (40 عاما) نزح بمعية أسرته المكونة من 8 أفراد من منطقة زبيد بعد عيد الفطر إلى منطقة المحاريق في مديرية الشيخ عثمان، حيث استأجر بيتا لمدة شهرين، ومن ثم توجه إلى “مخيم جمعية التعايش الاجتماعي”، وفيها تم تسجيله قبل عيد الأضحى الفضيل، غير أنه لم يتحصل حتى اليوم على أي من المساعدات كما يقول”.

وعكيش كان يعمل قبل نزوحه في الزراعة، وحينما ارتفعت أسعار الوقود اضطر للعمل في مجال البناء، وحالياً لا عمل له، وهو ما زاد من معاناته وأسرته، مطالباً الجمعيات والمنظمات والجهات الحكومية بسرعة الالتفات للنازحين للتخفيف من قساوة الحياة والأوضاع المعيشية المزرية التي يكابدونها منذ أشهر.

النوم على التراب
منصور حسين عايش فتيني (41 عاما) هو الأخر نزح بأسرته، المكونة من 9 أفراد، من مديرية “الحالي” بالحديدة في الفترة ذاتها وللسبب نفسه إلى العاصمة عدن بحثاً عن أمان ولقمة عيش تضمن له ولأطفاله الاستمرار بالحياة.

يقول فتيني: “بينما نحن نشد رحالنا لمغادرة المنطقة اقتحمت جماعة من مليشيات الحوثي منزل ابنتي وزوجها عنوة وحولوه إلى ثكنة عسكرية، أما نحن فغادرنا مجبرين لننجو بأرواحنا من بطش تلك المليشيات، إلا أن المعاناة استمرت معنا هنا، إذ مكثنا أربعة أيام في أحد شوارع الشيخ عثمان في العراء وتحت الشمس، ولك أن تتخيل مدى مرارة ما قاساه الأطفال والنساء، فلا سكن ولا حمامات ولا ما نفترشه، وبينما نحن بذلك الحال وندعو الله الفرج حضر رجال خير ساقهم الله إلينا وأوصلونا إلى “جمعية التعايش”، وفيها استلمنا لمرتين مواد غذائية مكونة من: دقيق، ورز 20 كيلو، وزيت، ودبب ماء، ومنذ شهرين وحتى الآن لم يقدم لها لنا أي شيء، وأنا عاطل وبلا مصدر دخل ودائماً ما أخرج بحثاً عن عمل أي عمل، إلا أن الحظ لم يحالفني”.

وأضاف بينما كان يشير إلى الأرض: “أصبحنا وأطفالنا ننام على التراب، لعدم توفر أي شيء نفترشه، بل إنني اضطررت لبيع جوالي لتوفير بعض من المستلزمات لأسرتي، كما إن هناك العديد من الأسر أُجبر أربابها ونساؤها للخروج للأسواق للتسول وطلب العون من رجال الخير علّهم يعودون بشيء آخر النهار لأطفالهم الذين باتوا يتضورون جوعاً منذ عدة أشهر بسبب هذه الحرب التي أكتوى بنيرانها الكل الصغار قبل الكبار، ولا نقول إلا حسبُنا الله ونعم الوكيل”.

اضطرار لممارسة التسول
وهبة حسن عايش فتيني، أم لخمسة أطفال، نزحت من الحديدة منذ ثلاثة أشهر بحثاً عن أمن واستقرار في عدن، ولكنها كما تقول إن مشكلتها مازالت قائمة لعدم توفر مكان للعيش والاستقرار لها ولأطفالها.

وتضيف: “نسكن منذ نزوحنا بمخيم “جمعية التعايش الاجتماعي” ومنها نحصل على طعامنا الذي يقدمه أهل الخير.. ونتيجة للأمراض التي بات يعاني منها أبناؤنا قامت الجمعية بالتنسيق مع عدد من العيادات والمستوصفات والمراكز الصحية العامة للحصول على العلاج، ولكن للأسف رفض بعضها علاج أطفالنا، ومازلنا نُعاني صعوبات في الحصول على الدواء وحق العلاج، وعبر “الأيام” نطالب الحكومة والمنظمات الدولية بسرعة توفير المسكن الآمن لنا، وأبسط الاحتياجات الإنسانية من طعام وكساء ودواء والتي اضطرت على إثرها العديد من النساء للخروج للتسول في شوارع المدينة لتوفير ما يسددن به رمق أطفالهن واحتياجاتهن من طعام وعلاج”.

ظروف قاهرة
الحجة جمعة
وفي الوقت الذي كنا نتحدث فيه مع بعض النازحين، قطعت حديثنا امراة مسنة، وعلى عجل مددت بيدها مسلمة وهي تقول: “لم أستلم أي دعم منذ نزحت، سجلوني معكم”، عبارة تحدثت بها بنبرة فرح مصحوبة بنظرات أمل بانفراج محنتها.. كانت تحسبنا أعضاء منظمة قدمنا لتقديم المساعدات لهم، ولما أخبرناها بمهنتنا تبسمت وهي تخفي خيبة أملها، وقالت: “أنا الحاجة جمعة ماطري، نزحت وأبنائي من ديارنا بمحافظة الحديدة بعد عيد الفطر الماضي إلى هذه الجمعية، هرباً من جحيم الحرب إلى شظف العيش وقساوة الحياة، فكل ما يوفره القائمون على هذا المخيم من طعام واحتياجات لا تُلبي أبسط متطلباتنا المعيشية”.

فيما قال حسن سلمان سليمان، وهو أحد نازحي مديرية الجراحي التابعة لمحافظة الحديدة، “مشاكلنا متعددة وهمومنا يصعب شرحها، فمنازلنا تعرضت للدمار، وفي أرض النزوح هنا في عدن أصبحت الظروف المعيشية القاهرة تحاصرني وزوجتي وأطفالنا الثلاثة من كل ناحية، فلا منظمات معنية اهتمت بنا ولا جهات مسؤولة قدمت لنا ما يتوجب عليها تقديمه، ومن خلال «الأيام» نناشد الدولة ومحافظ الحديدة سرعة الالتفات إلى أوضاعنا والعمل على تخفيف معاناتنا ولو بتوفير خيمة إيجار للسكن بها، كون الجمعية مختنقة بالنازحين”.

ويبيت أحمد أحمد علي محمد قحيم وأطفاله الـ 8 يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، فيما تشكو زوجته من مرض في عينيها يتطلب إجراء عملية عاجلة، ونظرًا لفقره المدقع أصبحت مهددة بفقدان بصرها.. مناشدا الحكومة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إنقاذهم مما هم فيه.​