طرفة إدنغتون

وجدي الأهدل

قد يُضطر بعض الكُتَّاب إلى إدراج رسالة سرية مُشفرة في نصوصهم الأدبية.
ربما البعض يرفض هذه الفكرة أو حتى ينفي وجودها، ولكن هناك دلائل تشير إلى صحة هذه الفرضية.

هذه التقنية لا تستخدم إلا نادراً، وعندما يلجأ إليها الكاتب، فهذا يعني أن لديه مسألة ما ليست موجهة لعموم القراء ولكن لقراء مخصوصين، لنقل نوعاً معيناً من القراء المجهزين ثقافياً لتلقي تلك المعلومة.

وهذا التشفير النصي هو مستوى أبعد من «الاستعارة». فالاستعارة تقع في خانة الغموض، ويُحبذ وليس بالضرورة أن يتمكن القارئ العادي من التوصل إلى حل غموضها ليحصل على أعلى درجات المتعة الأدبية. وأما تقنية «التشفير» فتقع في خانة المجهول، ومهما حاول القارئ العادي أن يتوصل إلى الإمساك بها ومعرفتها فإنه لن ينجح.. وخير له ألا ينجح، فالأمر لا يعنيه، ولو نجح بمصادفة ما في فك شفرة تلك الرسالة السرية، فإن ردة فعله لن تكون حسنة، وهو الأمر الذي توقاه المؤلف منذ البداية.

قد يستخدم المؤلف تقنية التشفير لأسباب ظرفية تتعلق بخوفه على حياته أو بسر ليس من المناسب إفشاؤه إلا بعد موته مثلاً، وقد يستخدمها لأن تلك المعلومة يصعب على العقل البشري تقبلها، لأنها تقع خارج نطاق إدراكه المحدود، وإن حاول التعاطي معها فإن ردة فعله ستكون سلبية في كل الاحتمالات -مع الأسف- ولذلك يُفضل المرسل حجب تلك المعلومة.

أحد أفضل نماذج استخدام تقنية التشفير يمكن العثور عليها في القرآن الكريم كقوله تعالى: «كهيعص» في أول سورة مريم، وكقوله تعالى: «الر» في أول سورة هود. أيّ الحروف المقطعة، وهي رسائل سرية مشفرة حاول كثير من المفسرين على مر القرون حلها، ولكن ذلك لم يكن في مقدورهم.

وهذه التقنية لها ظهور شبحي في كافة مجالات الفنون، كالفن التشكيلي وخصوصاً في لوحات ليوناردو دافنشي، وفي مجال العمارة كأهرامات الجيزة، وفي الموسيقى كأعمال باخ.

أعرف موسيقياً جوالاً، عازف مزمار، كان يكسب رزقه من العزف أمام المحلات التجارية وفي المقاهي، ولاحظتُ أن الذي ينفحه إكرامية يُحييه بلحن معين، فإن بخل عليه وامتنع أدبر عنه وهو يعزف لحناً آخر. فسألته عن ذلك، فأفشى عن سره وأخبرني أن الذي يعطيه مالاً يعزف له معزوفة يقول له فيها «أكرمك الله»، فإن لم يعطه لعن أباه وأمه! فطلبتُ منه أن يعزف الأولى وأرهفتُ السمع وركزتُ فإذا اللحن يُطابقُ جملة «أكرمك الله وحياك»، فطلبتُ أن أسمع المعزوفة الثانية، فلما عزفها ضحكتُ، لأنني سمعته آنذاك يلعن ببراعة بواسطة مزماره الفصيح.

يُقال إن صحفياً ذهب لإجراء حوار مع الفيزيائي البريطاني السير إدنغتون الذي أثبت عام 1920 صحة النظرية النسبية لألبرت أينشتاين، وسأله هل صحيح أن هناك ثلاثة أشخاص فقط في العالم يفهمون النظرية النسبية.. فسكت إدنغتون ولم يجب، فسأله الصحفي بماذا يفكر؟ فأجاب إدنغتون قائلاً «أنا أتساءل من يكون هذا الشخص الثالث!».

هذه الحكاية الرمزية توضح لنا أن بعض الأفكار العليا ليست في متناول الجميع، ولا هي مناسبة لمستوى قدراتهم العقلية.​