نيران العمالقة و «صفر جريفيثس».. من يسبق إلى صنعاء؟

تقرير/ وهيب الحاجب

المبعوث الأممي مارتن جريفيثس
المبعوث الأممي يغادر صنعاء غاضبا بعد مباحثات مع الحوثيين لتسليم الحديدة

​للمرة الخامسة يغادر المبعوث الأممي مارتن جريفيثس صنعاء بخفي حنين عقب مباحثات لإقناع الحوثيين بالانخراط في العملية السياسية، غير أن المبعوث الأممي غادر هذه المرة ولم يثنِ على جهود الحوثيين أو يقل إن لديهم نوايا بالحل السياسي.
مارتن جريفيثس غادر أمس الثلاثاء العاصمة اليمنية صنعاء بعد زيارة استمرت ثلاثة أيام التقى خلالها مسؤولين حوثيين في محاولة لإحياء عملية السلام التي فشلت بتخلف جماعة الحوثي عن حضور مشاورات جنيف في السادس من سبتمبر الفائت.
وذكرت صحيفة عكاظ السعودية أن لقاءات جريفيثس مع الحوثيين كرست لمناقشة آلية بناء الثقة بما فيها تسليم الحديدة بشكل سلمي.

المواقف الحوثية بدت منقسمة في تسليم الحديدة بشكل سلمي، ففريق مؤيد شريطة أن تبدأ الأمم المتحدة بوضع آلية لصرف مرتبات الموظفين والشروع في إعادة فتح مطار صنعاء الدولي والسماح لها بإخراج الجرحى دون أي تفتيش للطائرات، وأخرى متشددة ترفض النقاش في هذا الجانب وفي قضية الأسرى وتصر على الحرب، وفقا لما ذكرته عكاظ عن مصادر سياسية في صنعاء.

مصادر عربية أوردت أمس أن الحوثيين اشترطوا على المبعوث الأممي لوصوله إلى صنعاء فتح المطار ودفع مرتبات الموظفين في مناطق سيطرتهم.
جريفيثس لم يدل بأي تصريحات لدى مغادرته كما هي عادته في التحدث لوسائل الإعلام من مطار صنعاء عن جهوده مع الحوثيين خلال أغلب زياراته الخمس إلى صنعاء.

ودأب المبعوث الأممي على الإشادة بمواقف جماعة الحوثي واستجابتها لجهود السلام التي تتبناها الأمم المتحدة، غير أنه هذه المرة غادر دون الإفصاح عن نتائج مباحثاته مع الحوثيين خلال جولته الجديدة التي بدأها من مسقط عقب فشل مشاورات جنيف.

وأفاد مصدر سياسي في صنعاء أن المبعوث الأممي لوح خلال لقاءاته مع الحوثيين بعقوبات وخيمة في حال استمرار عرقلة استئناف المشاورات وعدم الرضوخ للسلام والشروع في التشاور حول تنفيذ إجراءات بناء الثقة تليها مفاوضات لتنفيذ القرارات الدولية.

المبعوث الأممي الثالث إلى اليمن الذي قال إنه لن يبدأ من الصفر لم يُعرف حتى الآن من أين بدأ لكنه فشل في جمع الأطراف اليمنية وعاد إلى الصفر مجددا في محاولة تبدو أنها أخيرة لإحياء مسار الحل السلمي على وقع تصعيد عسكري بات مرجحا في جبهات اليمن كافة.

وكان جريفيثس التقى مطلع الأسبوع الماضي الناطق باسم الجماعة الحوثية محمد عبدالسلام ووزير الخارجية العماني في مسعى جديد لإعادة الحوثيين إلى جنيف.
وأستأنف مبعوث الأمم المتحدة الأحد زيارة جديدة إلى العاصمة اليمنية صنعاء، في محاولة جديدة لتغليب جهود السلام على التصعيد العسكري الذي اشتد عقب الإعلان عن فشل المشاورات.

والتقى جريفيثس خلال زيارة إلى صنعاء، بقيادات ومسؤولين في جماعة الحوثي بينهم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي وجها لوجه، وهي المرة الأولى التي يلتقي بزعيم الحوثيين لقاء مباشرا بعد لقاءات عبر دوائر تلفزيونية رغم تواجد الرجلين داخل صنعاء أو من صنعاء إلى صعدة.

وذكرت مصادر إعلامية يمنية وأخرى عربية أن المبعوث الأممي بحث مع زعيم الحوثيين إمكانية التهيئة لعقد مشاورات قادمة، غير أن كثيرا من الدوائر السياسية اليمنية تقلل من هذه الجهود وتستبعد إعادة إحياء العملية السياسية بعيدا عن سير العمليات العسكرية في الساحل الغربي ومناطق شمال الشمال التي يقع في إطارها الجغرافي أهم معاقل الحوثيين.

ويرجح مراقبون أن جهود «بناء الثقة» التي كان المبعوث الأممي توصل إليها في اتفاق مبدئي بين الحوثيين والحكومة الشرعية قبل بدء مشاورات جنيف الفاشلة.. قد نسفت بتخلف الحوثيين وعمقت شعورا بعدم الثقة لدى الحكومة الشرعية ودول التحالف العربي وبعض الدول الأوربية.

ويرجح سياسيون أن الحسم العسكري في الحديدة هو الأقرب إلى كل الحلول المطروحة بشأن الأزمة اليمنية والحرب التي دخلت عامها الربع دون بوادر تشير إلى حل سياسي يجنب البلد والمدنيين مزيدا من المعاناة.
يأتي ذلك في وقت تزداد فيه سخونة المعارك الدائرة على مشارف مدينة الحديدة الاستراتيجية على الساحل الغربي حيث أعلن التحالف العربي أمس الأول بدء عملية عسكرية واسعة لتحرير المدينة من الحوثيين.

وقال مسؤول في التحالف الذي تقوده السعودية إنّ القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا «بدأت عملية عسكرية من عدة محاور لتحرير مدينة الحديدة» الخاضعة لسيطرة المتمردين الحوثيين.
وأكّد العميد علي الطنيجي قائد قوات التحالف في الساحل الغربي استئناف العملية في تصريحات نشرتها وكالة أنباء الإمارات، الشريك الرئيسي في التحالف والتي تقود العمليات العسكرية للقوات الحكومية.

وأفاد مسؤول في القوات الحكومية عن شنّ طائرات التحالف العسكري ضربات جوية مكثّفة على مواقع للمتمردين داخل المدينة المطلّة على ساحل البحر الأحمر. وأكّد سكّان في الحديدة سماع دوي عدّة انفجارات. كما قال المسؤول إن التحالف دفع «بتعزيزات إلى المحورين الشرقي والجنوبي للمدينة».

وذكر مسؤولون آخرون في القوات الحكومية أن معارك شديدة تجري في عدة محاور عند أطراف الحديدة، وقال شهود إن المدينة تشهد حركة عسكرية ناشطة مع توجّه آليات للمتمرّدين نحو أطراف المدينة.
وكانت مواجهات عنيفة اندلعت في محيط مدينة الحديدة بعيد فشل انعقاد المحادثات، وتمكنت القوات الموالية للحكومة الأربعاء الماضي من قطع طريق رئيسي قرب المدينة عند نقطتي «الكيلو 16» و «الكيلو 10».

المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العقيد الركن تركي المالكي أكد أن العلميات العسكرية في الحديدة وفي المحافظات اليمنية كافة تسير بحسب القانون الدولي والإنساني، وذلك ردا على بيان من الممثل المقيم للأمم المتحدة ومنسقة الشؤون الإنسانية في الداخل اليمني عن بعض المخاوف حيال العمليات العسكرية في الحديدة.

وقال المالكي خلال المؤتمر الدوري لقيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن الذي عقد الإثنين في الرياض «كان أجدر أن تكون هذه المخاوف على الشعب اليمني وما يتعرض له من انتهاكات منذ عام 2014 وسقوط العاصمة صنعاء وتأثيرها على 27 مليون مواطن يمني».

وتابع أنه «كان الأجدر أيضاً إدانة الميليشيات الحوثية في وضع كثير من التحصينات داخل المدن وإعاقتها لخروج المواد الغذائية من الحديدة إلى المحافظات اليمنية كافة».

وكانت الإمارات العربية المتحدة التي تتولى العمليات العسكرية في الساحل الغربي قالت في رسالة بعثتها مطلع الأسبوع إلى مجلس الأمن إن عملية تحرير الحديدة باتت أمرا ضروريا، في إشارة إلى أن فشل عملية السلام بات واقعا وأن الحسم العسكري هو الطريق إلى إخضاع الحوثيين وكسر تمددهم في المحافظات اليمنية.

أطراف دولية وقوى عارضت العملية العسكرية لتحرير ميناء الحديدة غيرت من مواقفها عقب فشل جنيف وبدأت تنظر نحو الحسم العسكري وتدعمه لوجستيا كما هو حال الولايات المتحدة الأمريكية التي قالت على لسان وزير خارجتها إن السعودية والإمارات تتبعان «تدابير واضحة» لتخفيف الخطر على المدنيين في الحديدة.

ففي الكونجرس الأمريكي قَدمت إدارة الرئيس دونالد ترامب تقريرها للمجلس، وهو التقرير الأول بموجب اتفاق تخويل الدفاع 2019، وأكد وزير الخارجية مايك بومبيو أن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تتخذان «تدابير واضحة لتخفيض الخطر» على المدنيين أثناء عمليات التحالف العربي العسكرية في اليمن.

وجاء في بيان بومبيو أنه أخبر الكونجرس أن: «إدارة ترامب تعتبر بشكل جلي أن إنهاء الصراع في اليمن يمثل أولوية للأمن القومي».
وقال «سوف نواصل العمل عن كثب مع التحالف، الذي تقوده السعودية، لضمان أن السعودية والإمارات تحافظان على دعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لإنهاء الحرب الأهلية في اليمن».