الحكومة رفضت «إرادة الجنوب» بالمفاوضات وأجبرت الانتقالي لتمثيلها على الأرض

كتب/ وهيب الحاجب

رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس الزبيدي ورئيس الجمعية الوطنية اللواء أحمد سعيد بريك وقيادات بهيئة الرئاسة عادوا أمس إلى العاصمة عدن لمساندة شعب الجنوب وقيادته للحصول على استحقاقاته السياسية، فيما بقي أحمد عبيد بن دغر وأعضاء حكومته يجتمعون ويصدرون التهديد والوعيد من أحد الفنادق بالعاصمة السعودية «الرياض» المقيمين فيها منذ هجرتهم الثانية في العام 2015، عدا من بعض الزيارات الخاطفة فالعودة إلى السعودية.

انهيار اقتصادي وجوع وفقر ومرض وتردٍّ في الخدمات وفراغ سياسي وأمني يعصف بعدد من المحافظات المحررة بسبب غياب الشرعية، وكذلك في مناطق سيطرة الحوثيين التي عجزت الشرعية عن تحريرها، ما دفع الانتقالي الجنوبي إلى تبني خيارات يقول إنها لإنقاذ شعب الجنوب من المجاعة وتمكينه من السيطرة على ثرواته وإدارة مؤسساته التي جيّرتها حكومة الشرعية لصالح إبقاء هيمنة سلطتها على الجنوب.

يقول خبراء اقتصاديون إن بقاء مسؤولي الشرعية خارج اليمن واستلام مرتباتهم بالدولار شكّل أحد أهم أسباب انهيار العملة المحلية وتدهور الحالة المعيشية، مشيرين إلى أن الحكومة عاجزة عن العودة لممارسة مهامها التنفيذية من العاصمة عدن بسبب ازدياد النقمة الشعبية وتعاظم الاحتجاجات ضد الفساد الحكومي والفشل المتكرر في إعادة تطبيع الأوضاع في محافظات الجنوب.

المقاومة الجنوبية والتشكيلات العسكرية من حزام أمني وألوية ونخب كانت الذراع التي استندت عليها حكومة بن دغر للبقاء داخل الجنوب عقب هزيمتها وطردها من صنعاء ومحافظات الشمال، وأسهمت هذه القوات بشكل فاعل في إيجاد هامش أمني كان سيمكن الحكومة من ممارسة سلطاتها والقيام بمهامها في إعادة ترتيب وضع الدولة والبدء بعملية سياسية تعترف بالجنوب وتحترم قضيته العادلة وتطلعات شعبه.. لكن «الشرعية» انتشت كثيرا بالبقاء في عدن واعتبرته نصرا حققته، وبدأت باستهداف الكيان الجنوبي والعمل على تدمير مكوناته السياسية وتشكيلاته العسكرية، في مسعى لضرب القضية الجنوبية برمزيتها السياسية وتحجيم تضحيات شعب الجنوب وتجييرها لصالح مشاريع يمنية شمالية تعيد إلحاق الجنوب تحت مسميات وطنية وقومية.

الصوت الجنوبي المطالب بالاستقلال والعودة إلى ما قبل العام 90م كان هو الأقوى والمسيطر على المشهد السياسي والعسكري في الجنوب، وإن تعددت المكونات أو تباينت الأفكار والرؤى والمشاريع لبلوع هذا الهدف ما عزز هذا التوجه بالتالي من قناعات شعب الجنوب بالوقوف في وجه الحلول الآتية من خارج الإرادة الشعبية والتصدي لأي مشروع يتجاوز الجنوب، كما حصل عقب «الحوار الوطني» ثم عند انتخاب هادي رئيسا وما قوبلت به تلك المخرجات من سخط جنوبي.

حكومة الشرعية ضيعت فرصة أعطيت لها في الجنوب لإصلاح أخطاء النظام السابق ومعالجة آثار التدمير والخراب الذي غدر بشريك الوحدة، واستغلت هذه الفرصة لتدمير ما لم يستطع تدميره صالح وجبروت نظامه، وعملت على تقسيم الجنوب وشق الصف الجنوبي وضرب مبدأ التصالح والتسامح، وانشغلت عن معالجة الأوضاع وتصحيح المسار السياسي وإعادة الاعتبار للشراكة بالتمادي في المؤامرات والتحايل على مطالب الشعب الجنوبي وتحقيرها وتغييبها من أية جهود لعملية سياسية، وهو ما أدركته المكونات الجنوبية وفطنته المقاومة المسلحة، وكان من الطبيعي أن يكون لهذه الأطراف الجنوبية مواقف صريحة وواضحة غيرت الموازين وعجّلت بتقليص مكانة الحكومة وحضورها في عدن.

المجلس الانتقالي حمل على عاتقه اليوم الوقوف إلى جانب الإرادة الشعبية التي فوضته للتعبير عنها ونيل استحقاقاتها، غير أن فرص تمثيل هذه الإرادة في أي عملية سياسية سلمية ماتزال مغلقة ومغيبة حتى الآن بفعل سياسات الشرعية اليمنية ومنهجها في السير على قاعدة «الوحدة أو الموت» وشعارها الذي يتمسك به وبقوة رئيس الحكومة أحمد عبيد بن دغر.

آخر فرص تمثيل الإرادة الجنوبية رفضتها الشرعية واتفقت مع جماعة الحوثي الانقلابية على استبعاد المجلس الانتقالي وقضية الجنوب من مفاوضات «جنيف3» التي تعثرت قبل أن تبدأ، وكان استبعاد الجنوب شرطا لحوار الحوثيين والحكومة، وهو الشرط ذاته الذي سيُطرح في أية مفاوضات قادمة.. ما يعني أن الحكومة أجبرت الانتقالي وفرضت على شعب الجنوب أن «يتبرأ» من هذه «الشرعية» وأن يستخدم إمكاناته وأوراقه ومكاسبه المختلفة لتحقيق مشروعه الوطني المتمثل بالاستقلال وفك أي ارتباط أو علاقة لا تعمل إلا ضد الجنوب ولا تستهدف إلا تدمير بنيته وتشتيت مقدراته.

المجلس الانتقالي وقياداته التي عادت أمس إلى العاصمة عدن ستكون من اليوم أمام تحديات ليست في السيطرة وقطع ما تبقى من أيادٍ للشرعية اليمنية، بل تحديات حقيقية تتطلب تخطيطا وخبراء اقتصاد وكفاءات تكنوقراط لإدارة المؤسسات وتسيير أوضاع المحافظات الست، والعمل على فك ارتباطها رسميا عن الشمال، وهذا ربما يتطلب قرارا سياسيا وترتيبات إقليمية يبدو أن الانتقالي قد رتب لها.. لكن السؤال الذي سيبقى عالقا هو: متى ستعود «الشرعية» وإلى أين؟!.​