«فيتو» خليجي وحوار جنوبي.. ماذا يدور خلف الكواليس؟

كتب/ وهيب الحاجب

المجلس الانتقالي الجنوبي
«فيتو» خليجي وضغط إقليمي متعدد الأوجه قوّض توجهات المجلس الانتقالي لتنفيذ بيان 3 أكتوبر والسيطرة على مؤسسات الجنوب وحال دون التمكن من الإدارة الذاتية أو فرض الواقع الجديد الذي كان يؤمل في الجنوب.

«الفيتو» الإقليمي، كما وصفه رئيس الجمعية الوطنية احمد بن بريك، يبدو أنه كان ضغطا مضادا للضغوطات التي مارسها الانتقالي ضد حكومة الشرعية والتوجهات التي كشف عنها المجلس في بيان أكتوبر بشأن رفع يد الشرعية اليمنية عن الجنوب وإعفائها من مهامها كسلطات تنفيذية عجزت عن تطبيع الوضع الأمني والاقتصادي في مناطق حررتها المقاومة الجنوبية قبل أكثر من ثلاث سنوات وسلمتها للشرعية كخدمة مجانية.

الحوار وجلسات المشاورات التي يقودها المجلس الانتقالي هذه الأيام مع عدد من الأحزاب والمكونات السياسية والمجتمعية والمدنية والشخصيات الجنوبية هي نتيجة طبيعة لـ»الفيتو» وانعكاسا لطبيعة ما دار ويدور خلف الكواليس بين التحالف والانتقالي منذ ما بعد البيان حتى اليوم، فالعودة إلى التشاور مع بقية المكونات الجنوبية والأحزاب يشير إلى اتجاهين في مسار العملية السياسية التي ينتهجها الانتقالي وطبيعة التفهّم والموقف الخليجي من خطوات المجلس:

الأول: أن الفيتو الخليجي الذي قوّض السيطرة وعرقل فرض الواقع أقنع المجلس الانتقالي بتأجيل هذه الخطوة، وأوعز له مهاما داخلية في مقدمتها إعادة ترتيب التحالفات السياسية بين المكونات وترميم ما شابها منذ تأسيس المجلس، ثم الخروج بصيغة توافقية تطمئن دول مجلس التعاون الخليجي والمجتمع الدولي على مستقبل الوضع في الجنوب، بمعنى أن هناك رغبة خليجية لدعم الحوار الجنوبي الجنوبي على طريق بناء نظام سياسي يضمن مصالح دول مجلس التعاون ويكون شريكا في تأمين المنطقة ورعاية المصالح السعودية والإماراتية فيها على وجه التحديد، ومن شأن مثل هذه المهام أن تختبر قدرة الانتقالي وإمكاناته السياسية وحضوره في ترويض بعض المكونات الجنوبية غير الراضية عن أداء التحالف والرافضة لتواجد قواته في الجنوب وفي مقدمتها مجلس الحراك الثوري الذي يتزعمه فادي باعوم، وهو في مجمله إشارة إلى جهود إقليمية نحو العمل على خلق نظام جنوبي يكون حليفا استراتيجيا وضامنا للمصالح والنفوذ بشكل واضح.. لكن ما يقلل من إمكانية هذه الفرضية هو اعتماد الداخل مكانا للحوار بين المكونات الجنوبية، في حين أنه كان من الأفضل أن تستضيف أي من دول الخليج مثل هذه الحوارات وإن بشكل غير رسمي ومعلن، وهذا يقود إلى أن أطرافا معينة في التحالف هي التي تتبنى هذا التوجه مع رضا الأطراف الخليجية الأخرى، أو ربما تأتي هذه الخطوة في إطار التباين الحاصل لا سيما بين الرياض وأبوظبي.

 وفي كل الأحوال، فإن هذا الاتجاه قد يُنظر إليه بأنه سيحد من إمكانية استقلالية القرار السياسي للمجلس الانتقالي وبقية المكونات الجنوبية التي يؤمل التوافق معها، باعتبار هذه المكونات مجتمعة في إطار المجلس الانتقالي أو أي تسمية أخرى هي النظام السياسي الذي سيحكم الجنوب، بمعنى أن التبعية في القرار السياسي ومصير تطلعات الإرادة الشعبية ستظل محكومة بطبيعة العلاقة بين التحالف والنظام الجاري تأهيله، وتبقى مرهونة لرغبات إقليمية قد تصل إلى عدم استقلالية القرار بالحق السيادي للجنوب سواء بالرضوخ لنفوذ التحالف أو التسليم والقبول بتسويات سياسية تنتقص سيادة دولة الجنوب كمشروع الأقاليم الذي لاتزال دول الخليج تتبناه علنا حتى اليوم.

الثاني: أن المجلس الانتقالي أصدر بيان 3 أكتوبر دون دراسة جدوى وتخطيط مسبق ودون ترتيبات مع التحالف وتنسيق في كيفية إدارة الجنوب بعد طرد الشرعية التي جاء التحالف لحمايتها.. وانطلاقا من مبدأ «أن التحالف الذي جاء لاستعادة الشرعية لن يقبل بطرد ما تبقى منها»، فإن موقف التحالف من بيان أكتوبر كان صادما للمجلس، ليس لأن التحالف راضٍ عن الشرعية بل تخوّف من التحالف على شرعيته وشرعية عملياته العسكرية وتواجد قواته في اليمن تحت غطاء «الشرعية»، وتحاشيا لأي قرار أو موقف من النافذين بحكومة الشرعية ومؤسسة الرئاسة يستهدف شرعية التحالف ويستقوي بالأمم المتحدة والقرارات الأممية.. آثر التحالف أو أطراف فيه «الفيتو» لتقويض بيان الانتقالي وإنقاذ حكومة الشرعية اليمنية من مصير أوشك أن يكون محتوما وواقعا، وما يرجح مثل هذا الطرح هو التهديدات التي تطلقها أطراف في الشرعية اليمنية ضد الإمارات العربية المتحدة والمطالبات بإعفائها من المشاركة في التحالف العسكري، وهذه صورة لطبيعة الضغط والتهديدات التي تمارسها حكومة الشرعية وجماعة الإخوان النافذون فيها ضد التحالف العربي وابتزازه لضرب الخصوم السياسيين وتجيير جهود التحالف العربي لعرقلة المشروع الوطني الجنوبي المتمسك بالاستقلال ومحاولة صهر هذا المشروع بالقوة في إطار مشاكل الشمال الطائفية والمذهبية.
هذه الفرضية- في الاتجاه الثاني- دفعت بالمجلس الانتقالي للعودة إلى الواقع الجنوبي للتشاور مع بقية المكونات والأطياف السياسية والمجتمعية والشخصيات في خطوة يقول المجلس إنها ذات بعدين أساسين:

1- التشاور مع المكونات الجنوبية والتنسيق لتنفيذ بيان أكتوبر (السيطرة على المؤسسات).
2- الإيمان بالشراكة الوطنية وإطلاق حوار جنوبي في إطار المشروع الوطني لاستعادة الدولة كاملة السيادة.

لكن النظرة المحايدة للواقع ترجح البعد الأول أكثر مما قد يطرح من تفسيرات أخرى للحوار الجنوبي والتشاور في هذا التوقيت بالذات؛ إذ أن «الموقف الصادم» من التحالف العربي إزاء بيان 3 أكتوبر أعاد التفكير في الحسابات وطبيعة العلاقة مع التحالف فيما يخص المستقبل السياسي للجنوب ومشروع الاستقلال، وكان بالتالي من الطبيعي أن يعود المجلس الانتقالي لترتيب البيت الجنوبي من الداخل والاعتماد على مقوماته السياسية ومكوناته الاجتماعية وقدراته العسكرية والبشرية والإدارية وإرادة أبناء الجنوب داخل المؤسسات لفرض واقع على التحالف العربي قبل أن يكون على الشرعية اليمنية، وبالتوافق والتنسيق والشراكة مع كل القوى السياسية والعسكرية الجنوبية، وهو ربما الاتجاه الأقوى لفرض الإرادة الجنوبية باستقلالية قرار وحق سيادة.

وفي كلتا الحالتين سواء بالاتجاه الأول أو بالثاني من مسيرة الانتقالي في هذه المرحلة، فإن المجلس مازال مطالبا بكثير من الانفتاح على كل القوى الجنوبية والشخصيات في الداخل والخارج، وعليه تقع مسؤولية وضع القواعد الديمقراطية والمدنية للنظام السياسي باستقلالية تامة ودون تبعية أو ارتباطات تنتقص من حق تقرير المصير اليوم وحق السيادة غدا وبعد غد.