من يحمي عدن ومن يستمر بمسخها وتدميرها؟

كتب: المراقب السياسي

صمت أبناء عدن سمح بترييف مدينتهم.. فإلى متى؟

غرقت عدن في صراعات السياسة حتى قُتلت المدنية فيها، وجاء لصوص النصر من الفاسدين والبلاطجة ومن سار في فلكهم ليجهزوا على ما تبقى من عدن المدينة الجامعة للجنوبيين كافة وعاصمتهم.

يستمر تدهور الأوضاع في عدن يوماً بعد يوم حتى غدت المدينة أشبه بقرية في الريف، فشوارعها تعج بالسلاح غير النظامي ويحمله صغار السن متفاخرين بحمله، وهو من المحرمات في القانون المحلي والدولي.

لم تشهد عدن حالة من الترييف في تاريخها مثلما هو حاصل اليوم، فغدا مشهد الحمير والأغنام ترعى في الشوارع مألوفاً، وانهار دور بلدية عدن حتى أصبحت غائبة تماماً، بل إن بعض مدراء البلدية أنفسهم ضالعين في حملات فساد غير مسبوقة وباعتراف بعض المسؤولين فيها.

التعليم أصبح شيئا من الماضي، ولا يوجد استثمار حقيقي من الدولة في العملية التعليمية، ولا إنشاء مدارس جديدة منذ 1990م ولا رواتب للمعلمين تكفي لسد رمقهم، فلا نتوقع من جائع أن يعلم أطفال المدينة.

إدارة مياه عدن تحتسب قيمة الاستهلاك بناء على عدد الأشخاص في المنزل، ولا وجود لعدادات مياه أو مؤسسة مياه، فغابت المياه الصالحة للشرب من الصنابير، ولم يعد للكلور الذي كان يعقم مياه عدن أثر بعد أن كانت أول مدينة في الشرق الأوسط تستطيع شرب مياه نقية من الصنابير فيها.

أما المرور ونظام السير فقد أصبح أثراً بعد عين، شوارع متهالكة لا تقوم إدارة الأشغال بصيانتها ولا تخطيط لشوارع وجسور جديدة تلبي الزيادة السكانية والمركبات فيها ولا يخلو شارع من الحفر.. أما المطبات فأصبحت في كل مكان بدون علم الدولة ويقيمها المواطنون دون اكتراث لتشويه المدينة.

لقد أصبحت قيادة السيارات أقرب منها إلى الحركات البهلوانية في الشوارع، حيث يستقبلك جموع سائقي الباصات ممن لا يحملون رخص القيادة وبعضهم دون السن القانونية الذين أصبحوا ملوكا للشوارع العامة يقفون حيث يريدون ويخالفون قوانين السير تحت بصر رجال المرور الذين يقولون صراحة "أيش تشتينا أسوي؟!"، ناهيك عن السواقة "عاكس خط".

عندما تسأل أحد كبار السن عن حال مدينة عدن اليوم سيرد عليك ويقول: "كدافة" (زبالة)، ولكن الجميع اليوم يتحمل مسؤولية الكدافة التي آلت إليها هذه المدينة المغلوبة على أمرها.
استمرأت مؤسسة الرئاسة اليمنية الإهمال الذي يلف المدينة بشكل متعمد لتمرير الفساد الأسطوري الذي يعيشه متنفذوها حتى غدوا يسرقون نهاراً جهاراً دون حياء أو وازع  من دين أو أخلاق، وأهملوا المدينة وحطموا المدنية فيها.

لم تعد هناك مؤسسة حكومية لا تشكو من الفساد، بل انتقلنا إلى تقييم درجات الفساد في المؤسسات.
لم يعد هناك هياكل حكم بل مؤسسات حكومية تسير وفق أهواء المسؤولين وليس النظام والقانون بحيث غدت المعاملات الحكومية مشقة كبرى للمواطنين، وليس حقاً قانونياً، وتخضع لمزاجية المسؤول المعني فيها.

لم يعد معروفاً متى يحمى الأمن المواطنين وممتلكاتهم في عدن، فعندما يقوم قلة قليلة من المنتسبين للأمن العام والأحزمة الأمنية بنهب الأراضي والمباني في عدن، فهم يقومون بتشويه سمعة الأمن كاملاً، وهذه مسؤولية ابن عدن شلال شايع... ونقول هنا إنه ابن عدن لأنه ولد وتربى في عدن ويمثل عدن وليس الضالع، مسقط رأس أبيه وأجداده، كما يحلو للبعض تصنيفه.

 فإذا كان المسؤولون عن حفظ الأمن مسؤولين عن انتهاكات جسيمة فمن يحمي المواطنين منهم؟!
لكن الذين يتحملون المسؤولية الكبرى لهذا العبث هم أبناء عدن أنفسهم... أين هم مما يجري في مدينتهم؟.. في 2015م عندما هددت مليشيات الحوثي/صالح حياتهم انتفضوا عن بكرة أبيهم وأخرجوهم بالقوة من المحافظة، والفضل يعود لهم أولاً وأخيراً، فلم يحمِ عدن سوى أبنائها، أما اليوم فيعم سكوت أهل القبور على أهالي المدينة، يتذمرون بصمت ولا يريدون شغل أي مناصب تنفيذية لإنقاذ مدينتهم.. بل إن تخاذلهم وصل حد الصمت عن كل الاختلالات التي تشهدها مدينتهم.

إن هذا التخاذل من قبل أبناء المدينة عن شغل المناصب العامة وملء الفراغ الحاصل هو المحفز الأساسي للفاسدين وبعض الجهات السياسية ليوغلوا في فسادهم والاستمرار في تهميش أبناء عدن... فلا توجد أصوات تطالب بإخراجهم من على كراسيهم والعالم يقولها باستمرار إن الوضع في عدن يحظى برضى الشعب.

عدن بحاجة إلى إعادة نظامها البلدي القوي، الذي كان موجوداً قبل وبعد الاستقلال، وسلطات محلية مطلقة، وإذا لم تتمكن الرئاسة من حل مشكلات الحكم في عدن فعلى أبناء المدينة والجنوب البحث عن قيادة محلية جديدة من أبنائها لحكم المدينة بدل انتظار الفاشلين الذين حكموا البلاد منذ 1990م وأوصلوها إلى هذه الكارثة.. فلا أمل يرجى ممن منحت لهم كل فرص النجاح وخذلوا الشعب وأنفسهم بفشلهم الذريع.

وإذا استمر سكوت أبناء عدن عما يجري فانتظروا الأسوأ.. فالحال المظلم اليوم سيكون أكثر ظلاماً غداً.

إن هذه الصحيفة ضد العنف وأدواته، كما أنها ضد تلك الدعوات الدنيئة للمناطقية أو الفتنة بين أبناء الجنوب، ولكنها في نفس الوقت يجب أن تنتقد السلوكيات السيئة والإجراءات المدمرة للمدينة التي نراها حاضنة الجنوبيين أجمعين.

كما أن هذه الصحيفة تدعو دوما لمستقبل أفضل، وهذا المستقبل موجود إذا ما يسعى الجميع نحوه بكل طاقاتهم، لكن لم يحدث في تاريخ البشرية أن حدثت تنمية في أي مكان في العالم بدون أن يكون أبناء ومواطنو ذلك المكان أو المحافظة أو المدينة أو الدولة هم من قام بالبناء والعمل الشاق لخلق تنمية حقيقية وضمنوا مستقبلهم بسواعدهم.​