اليمن بين سياسات النفوذ المحلية والإقليمية وثقافة الإدارة الغائبة

د. جمال الهاشمي*


التزمت واشنطن الصمت تجاه قرار الحرب على اليمن بقيادة التحالف الذي قاده الأمير محمد بن سلمان الذي تساقط بعضه قبل بداية الحرب، وخلال العمليات وأثناء الحرب لتبقى السعودية والإمارات في خندق المواجهة من جهة وتوسيع الفجوة بين المكونات اليمنية وتعطيلها ولكل من السعودية رغم وحدة الهدف سياسات مختلفة ترعى كل دولة مصالحها بينما كانت السودان التي بدأت فيها سياسة الأثننة الأفريقية الدولة الوحيدة في التحالف دون هدف ولو تراجعت كالمغرب وقطر لانتهى مفهوم التحالف العربي، وكالعادة تستفيد واشنطن من قرارات الحرب وتفوز بنتائجها.

تتميز أمريكا بقوة التجنيد الاستخباراتي المجتمعي وقوة مخابراتها في مراقبة المكونات المسلحة والنظم الحاكمة، وعندما تعلن قرار إيقاف الحرب فيعني أنها بلغت غايتها الأولى لتستدركها بغاية أخرى، تكون فيه هي الرابحة، وللربح قوانين منها مادية وأخرى معنوية وسياسية. فاللئيم الجشع هو من يفكر فقط بالقيم المادية.
عندما أسر العراق برغبته للسفيرة الأمريكية في غزو الكويت التزمت واشنطن الصمت ولمحت له السفيرة بأن تلك شؤونا خاصة بالمنطقة لا تعني أمريكا مضيفة إلى أن العراق قوة اعتدال في المنطقة، وهنا يأتي دون السفير في اتساقه واتصاله بالسياسة العلياء للدولة -ليس كسفراء اليمن الذين ليس لهم اتساق مع وزير الخارجية فكيف يصلون إلى رئاسة الدولة- وخلال تلك الرغبات وأثناء التجهيزات القتالية كانت الاستخبارات والدبلوماسية الأمريكية تتنقل بين مراكز القرار لدول الخليج وتحقق لها هدفين الأول فرض نظام الحماية واستمرار قواعدها وجيوشها في منطقة دول مجلس الخليج والسيطرة على العراق بجهود دول المنطقة وإيران والتحالف الدولي.

 انتهى العراق بقرار الحرب ولم يدرك تلك المؤامرة التي كان بإمكانه أبطالها قبل اتساع خرقها بقرار الانسحاب، وأسهمت تصلبه بقراره في تشكيل تحالف دولي لم يكن بوسع أمريكا تشكيله لولا تصلب الرئيس صالح في استخدام القوة والمناورة والمؤامرة التي أسقطت اليمن.

 كان قرار الحرب في العراق بتحالف دولي قادته واشنطن بتمويل حلفائها من الدول وخرجت منه بقوة اقتصادية كبيرة وقوة سياسية وقوة عسكرية ذهبت ضحيتها العراق التي تقتاتها الطائفية، والصراع على السلطة، والصراع الفيدرالي والانفصالي في الوقت ذاته يذهب لينعم النفط بالأمن ويعبر تلك الصراعات متوجها إلى دول آسيا وأوروبا وأمريكا، والفرق واسع بين سياسة أمريكا في التدبير، وسياسة أنظمة العرب بالتدمير.

وتشبه السعودية أمريكا في سياق تشكيل دول التحالف في اليمن واختلفت السياقات والشرعيات حيث نجح التحالف الدولي على العراق بينما تساقطت أوراق الدعوة للتحالف الإسلامي من إسلامي إلى عربي إلى خليجي إلى دولتين خليجيتين، واختلفت نتائج التكاليف فأمريكا خرجت من الحرب منتصرة ومستفيدة بتمويل عالمي أنقذ اقتصادها وأعاد تماسك وحدتها الداخلية ومن استمرت سياسة التصحيح في احتكار النفط العراقي الذي يتدفق بحماية الطوائف العراقية المتصارعة. كما تدين العراق المستعمرة لأمريكا بديون التحرير والإنقاذ ودعم الديمقراطية لمكونات النفوذ المنتفعة من سقوط صدام.

أما السعودية التي دعمت الجيش اليمني خلال الفترات السابقة ودعمها لمراكز النفوذ اللذين أثقلوها بالنفقات وقلوها عند الحاجة أدخلها في صراع لم تخرج فيها كأمريكا منتصرة كما لم تسلم من الديون الخارجية وعجز ميزانية الدولة، كما لم يستفد الشعب اليمني من سياسات الدعم والتنمية، وليس على اليمن ديون دعم التحرير بل تحتاج إلى دعم التنمية وإعادة البنية التحتية، وفي جميع الحالات فإن اليمن سلما وحربا عبء على نفسها وعلى دول المنطقة، وأحد مداخل التواجد الدولي وصراع النفوذ الإقليمي في المنطقة ما لم تبدأ سياسة الإصلاح من رأس السلطة السياسية والإدارية.

قرار التعمير بدأ في العراق بدعوة أمريكية، وقرار وقف الحرب في اليمن كان قرارا أمريكيا مع أنها لم تشارك ولكنها كانت الرابحة كالقرصان الأعظم الذي يسيطر على غنائم القراصنة الصغار دون أن يوبق بجريمة القرصنة من جهة ومن جهة أخرى يفوز بالشرعية ويستفيد بالمال.

أما وأن استمرار إدارة السلطة الشرعية بنفس الطريقة خلال الحرب سيعيد تلك المكونات المتعارضة المصالح للسيطرة على الأرض كاقطاعات يتبعها العديد من القنان الحديثة ناقصة الحرية والأهلية ويعاد إعمار العنف الجهوي من جديد وإضعاف مركزية الدولة بقراراتها العشوائية.. إضافة إلى انتشار ثقافة الفتوة والزعار والعياريين في اليمن أكثر مما كانت عليه قبل وما تزال في اتساع وليس لمحافظي المحافظات من عمل سوى مصالحة هذه المكونات الجديدة والتركيز على هدف واحد ظاهره الرحمة وباطنه من قبله العذاب، وما زالت تلك المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات تدار على مدامة القات وترمى بالاتفاقات عندما يرمي الماضغ بقايا العشبة من فيه وتعاد مرة أخرى في اليوم الثاني وكأنها حلة إدريس لا تنتهي كما هو مشهور بالثقافة الشعبية.

 هكذا تبدو الغاية قد بلغت ذروتها وانتهت بمعادلة القوى وفازت اليمن بالجهل والفقر والمرض وهو ما سيُعيدها إلى الوراء أحقابا وقرونا تتجاوز الفترات السابقة.. فمع كل دعاوي الحوار الإصلاح والإنقاذ يتسع الخرج بأضدادها؛ الاختلاف.. الفساد.. التدمير..

فالإرادة قد تكون حاضرة ولكن آليات التفعيل تحتاج إلى علم وإدارة تلك وخبرة تلك التي يفتقر لها الجهاز البيروقراطي في اليمن وما دام بتلك الرتابة والعجز فلن تستمر سياسات التسكين والمهادنة أزمة الإدارة تبدأ بأزمة العلم والمعرفة والشخصية، ولا تقام أبعاد المعرفة والعلم بما لم تكتمل بشخصية النموذج القادرة على التدبير، وهذا ما تفتقر له السلطة الحاكمة.

الأزمة التي تحتاج إلى معالجة هي أزمة العقل وهي إشكال قائم بالذهن في ذهنية السلطة والمكونات داخل السلطة والتابعة أو المعارضة لها، وبها تخلق المجتمع وأصبحت ثقافة الفرد.. كما أن ثقافة القوة والزعامة والجهاد والكبت والحاجة المشحونان بالعنف أوجد ثقافة الانتحار ليس بقتل النفس للتخلص منها وإراحة الناس بل بالانضمام إلى أحد مكونات العنف كطريق إلى الجنة؛ القاتل والمقتول وكأن الشهادة لا تقام إلا بأحدهما. وكأن النداء المقدس لإحياء النفس والتنمية والقصاص ليس فيه حياة ولا طريقا إلى الجنة.

فلدينا في الداخل من يرى أن استعمال القوة أساس بناء الدولة ولو بفناء الناس وهذه ثقافة مجتمعية أنتجت مواجهات بين المناطق المعزولة عن الخدمة والطوائف والسلطة، كما أن سياسات الحكومات التنموية والوظيفية والتعليمية أفقدت الثقة بين المثقف والسلطة. وفي كلا الأمريين لم تبلغ الأطراف غايتها.
وفي المقابل سياسة الرئيس عبد ربه تتباين مع طبيعة المرحلة فما زال يتعامل مع المكونات بثلاث ثقافات: ثقافة المؤامرة التي يرغم عليها بطبيعته العسكرية، وثقافة التوليف بوظائف الدولة التي تزيد من تخمة البيروقراطية الجاهلة، ثقافة التبني والتخلي، هذه الإشكاليات هي نفس الأزمات التي حالت دون ثقافة التنمية.
وكما يبدو أن مراكز البحوث اليمنية ليست سوى نقاط معيارية في مجالات التنمية يستقبحها العقل ويكذبها الواقع، أو مطابخ إعلامية تتحيز لمصالحها وتجمل صانعها، مما وسع الفجوة التي بين السلطة والنخبة، بالإضافة إلى افتقار السلطة لأهلية اختيار العمل والعامل المناسب، فالمتكلمة بأمور إدارة الدولة والتنمية كثير وقليل من يرادف قوله عمله.

اليمن حتى الآن وحتى حين أبلغ ما يصفها أنها دولة الصندوق التي تتقاضى المنح والمساعدات وتفرض المكوس، ويعيش أكثر أهلها على الحرمان والفاقة ليس في الحرب وكذلك في السلم.. وتذهب جميع المعونات الدولية لصالح الأغنياء كما أن إيرادات الدولة تحتكرها طبقات النخب الإوليجاركية.. أو الغني الجشع الجاهل.

فإن أقل ما يحتاجه فخامة الرئيس التخلي عن العشوائية وفرضية الاحتمالات المتوقعة إلى رشادة القرارات السياسية التي تنتجها عبقرية النموذج التي كتب عنها العقاد، ولا عبقرية القائد التي تنتجها الثقافات المعيارية التجريدية الناقدة، وإنما ثقافة أخرى تقوم على المسوح والمقاربة والموازنة تلك الثلاث تصنع العلم ويُبنى عليها القرار. فإذا تحققت حل العقدة الأولى من إشكالية الذهنية السياسية ومن ثم يتشكل المعيار الثاني لدمج قرار العلم بالإرادة وهذه تحتاج أيضا إلى نفس المعايير الأولى إضافة إلى قياس الزمن أو الفترة التي تحتاجها سياسة الإصلاح. ومن ثم تستمر مرحلة التدرج لإعادة ثقافة البناء وتعطيل ثقافة الهدم..
ومن هنا يكون لسيادة الرئيس نخبة علمية تستقبل البرامج العلمية وتعيد تقيمها وتحاسب القائم عليها بقدر ما أهدر لتكتمل ثقافة الحزم والشدة وليعلم كل من تولى منصبا أن مناصب الدولة مغارم وليست مغانم حينها فقط ستجد الكثير يحجمون والقليل يقدم فتكون قد أسست لبناء العقلية الإدارية للدولة والقائمة على موازنة النفقات والمدخلات من التنمية وليس ثقافة المدخلات من القروض والمساعدات الإنسانية.
* مدير مركز الإصباح للدراسات الحضارية والسياسية والاستراتيجية فرنسا
عن (رأي اليوم) اللندنية​