دبلوماسية إقليمية لجلب الحوثيين إلى السويد بثقل سياسي يفوق ثقلهم العسكري

تقرير/ وهيب الحاجب

المبعوث الأممي مارتن جريفيثس
دون أن يدلي بأي تصريح صحفي، غادر المبعوث الأممي مارتن جريفيثس أمس الأول الجمعة مطار صنعاء بعد زيارة استمرت ثلاثة أيام التقى خلالها زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك بدر الدين الحوثي قبل أن يزور ميناء الحديدة ويلتقي إدارته.
ووفقا لوكالة الأناضول التركية، فإنه من المرجح أن ينتقل جريفيثس إلى العاصمة السعودية الرياض للقاء مسؤولين في الحكومة اليمنية لاطلاعهم على نتائج مباحثاته مع الحوثيين خصوصا ما يتعلق بوضع ميناء الحديدة.

وجاءت زيارة المبعوث الأممي في إطار مساعيه الرامية إلى تهيئة مشاورات السويد بين أطراف النزاع مطلع الشهر المقبل.
جريفيثس الذي فشل في سبتمبر الماضي بعقد مشاورات بين طرفي الحرب في اليمن بسبب تعنت الحوثيين وطرحهم في اللحظات الأخيرة شرط نقل جرحى من مقاتلي الجماعة قبل أن يغادر الوفد التفاوضي صنعاء.. يبدو أنه عازم هذه المرة على تجاوز الفشل والنظر لشرط الحوثيين ببراجماتية لا تبشر «الشرعية» بخير.

المتحدث باسم الحكومة اليمنية راجح بادي عزا عدم رغبة جماعة الحوثي بالكشف عن أسماء جرحاها الذين تريد نقلهم إلى الخارج كأحد شروطها التي تسبق المشاورات اليمنية، إلى وجود عناصر لبنانية وإيرانية ضمنهم.
ووفقا للمتحدث «ووردت معلومات استخباراتية مؤكدة للحكومة اليمنية بأن أربعة عناصر لبنانية (يعتقد بأنهم من «حزب الله») وإيرانيين اثنين من عناصر «الحرس الثوري» هم ضمن قائمة جرحى الميليشيات الحوثية التي تحاول نقلهم من الحديدة إلى الخارج».

الشرط الذي أفشل مشاروات جنيف عاد اليوم ذاته إلى واجهة مفاوضات السويد مع طلب إضافة تسفير خمسين مرافقا بواقع مرافق واحد لكل جريح ممن اشترطت الجماعة الحوثية نقلهم للعلاج في الخارج، يقابله تنازلات أممية ورضا من قبل التحالف العربي والشرعية اليمنية؛ في توجه يصفه مراقبون سياسيون بأنه يشير إلى جدية لإطلاق المفاوضات بأي شروط لوجستية يطرحها الحوثيون، محذرين من شروط سياسية مسبقة قد تكون الجماعة تفاوض عليها المبعوث الأممي من خلف الكواليس، وتطرحها في الواجهة كخطوط عريضة للتسوية تبقي للحوثيين مناطق سيطرتهم ونفوذهم وقوتهم العسكرية.

وترجح مصادر سياسية أن دولا إقليمية تتحرك على مستوى دبلوماسي واسع بشأن جلب الحوثيين إلى مشاورات السويد بثقل سياسي يفوق ثقلهم العسكري على الأرض في محاولة لإنقاذهم من الانهيار في الجبهات، وهو -وفق المصادر- سيناريو ضمن تفاهمات دولية تتصدرها دولة أوربية على تنسيق مع طهران بشأن ترتيب مصالح الطرفين في اليمن والعمل على تقاسم النفوذ وفق خارطة جديدة ليست ببعيدة عن الضغوط التي تمارسها واشنطن على المملكة العربية السعودية بشان حرب اليمن.

وضع ميناء الحديدة واحد من التكتيكات السياسية التي يستخدمها جريفيثس مع الشرعية والحوثيين لترغيبهما بالانخراط في المشاورات، ففي حين يوهم الشرعية بسحب إدارة الميناء من سيطرة الحوثيين يؤكد للجماعة بأن الميناء سيبقى تحت إدارتهم مع إشراف أممي ومراقبة على حركة الميناء، وهو تكتيك يرجح أن يكون لصالح الحوثيين، وفي أدنى أحواله أنه لا يخدم الشرعية ولا يصب في صالح تحرير الحديدة ومينائها من قبضة الحوثيين.

وقال المبعوث الأممي لدى ختام زيارته للميناء أمس الأول «التقيت مع قيادة أنصار الله في صنعاء، وتطرقنا ضمن مباحثاتنا إلى كيفية إسهام الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام في الحديدة. وأنا هنا اليوم لأخبركم أننا قد اتفقنا على أن الأمم المتحدة يجب أن تنخرط الآن وبشكل عاجل في مفاوضات تفصيلية مع الأطراف للقيام بدور رئيسي في ميناء الحديدة، وأيضاً على نطاق أوسع»، في تأكيد واضح من المبعوث بأن حكومة الشرعية لن يكون لها دور أو حتى مساهمة في إدارة الميناء، وأنه سيبقى تحت السيطرة الحوثية لتقوية موقف الجماعة في المفاوضات التي من المرجح أن تنطلق في الثالث من ديسمبر المقبل في مدينة اوبسالا السويدية.

ونقلت «رويترز» عن متحدث باسم الأمم المتحدة قولها: إن المنظمة الدولية «مستعدة للمساعدة في الإشراف على إدارة ميناء الحديدة اليمني لحماية خط الإمداد الحيوي من أي دمار محتمل».
جماعة الحوثي أكدت في تغريدات لعدد من قياداتها بأنها لم توافق على تسليم إدارة الميناء لا للأمم المتحدة ولا لحكومة الشرعية ولا حتى لأي طرف إقليمي أو دولي محايد، مؤكدة على التشبث بالسيطرة على الميناء كورقة سياسية يرى الحوثيون أنها ذات مكاسبَ سياسيةٍ من شأنها أن تعزز المطالب الحوثية في المفاوضات.

ونقلت قناة «العربية» عن مصادر أن جماعة الحوثي «منعت المبعوث الأممي من زيارة أي منشآت أو أماكن أخرى في المدينة التي حولها الحوثيون إلى ثكنة عسكرية، وحفروا الخنادق في شوارعها»، وأن جريفيثس عقد «لقاءات مع المحافظ المعين من قبل الميليشيات ووكلاء المحافظة المعينين من قبل المتمردين».

وقال رئيس الوزراء اليمني معين عبدالملك في مقابلة مع قناة أبوظبي أمس الاول الجمعة «يبدو أنه غير واضح بالنسبة للمبعوث الدولي حجم التدمير الذي يطال هذه القرى والمدن في كل مرحلة أو هدنة تتخذ، تفجير المدارس، تلغيم، إحراق مخزن لمواد كهربائية تحمل النور لكل اليمنيين، لا يهمهم أن تصل الكهرباء إلى كل قرية، لا يهمهم أن يتعلم أبناء اليمن، كل ما يهمهم أن تبقى اليمن غارقة في عصور الظلام مجدداً، مع ذلك - كما ذكرت - نحن مع اتفاق سلام وفقاً للمرجعيات مع أطر لا تخرج أو تحيد عن ذلك».

المبعوث قال في بيان: «إن أنظار العالم تتجه صوب الحديدة. إن القادة والرؤساء من كل البلدان دعونا جميعاً للحفاظ على السلام في الحديدة».
وأضاف «لقد جئت إلى هنا اليوم مع أصدقائي وزملائي ليز غراندي، المنسق الإنساني للأمم المتحدة، ومدير برنامج الغذاء العالمي ستيفن أندرسون، لنتعرف بشكل مباشر كيف يمكننا الإسهام في حماية الناس في الحديدة من التعرض لمزيدٍ من الدمار».

وتابع «أرحب بالنداءات الأخيرة التي تدعو إلى وقف القتال، وهذه خطوة أساسية إذا أردنا حماية أرواح المدنيين وبناء الثقة بين الأطراف. كما تعلمون أنني أخطط وأتمنى أن أجمع الأطراف معاً في السويد في وقت قريب جداً لاستئناف المشاورات السياسية، نحن نعتقد أن مثل هذا الدور سيحافظ على خط الإمداد الإنساني الرئيسي الذي يبدأ من هنا ليخدم الشعب اليمني. كذلك، نأمل أن يسهم مثل هذا الدور أيضاً في الجهود الدولية لزيادة قدرة وفاعلية الميناء».

تحركات المبعوث الأممي يرافقها حراك دولي أمريكي أوروبي ضاغط على التحالف العربي لتغيير الواقع السياسي والعسكري في اليمن ووضع حد للحرب بأية تسوية قد تقوي من جماعة الحوثي وإبقائها أمرا واقعا في خاصرة السعودية.. لكنه من غير الواضح حتى الآن ملامح الخارطة الجديدة التي رسمتها القوى الدولية الكبرى لليمن ومصالح تلك القوى في المنطقة العربية ككل.