الكوليرا باليمن.. بين العلم والسياسة.. فإلى أين يتجه الوباء؟

إعداد/ د. صالح الدوبحي*

د. صالح الدوبحي
أكثر من عامين مضت على ظهور وباء الكوليرا الأخير في اليمن ولازالت حقيقة حجم هذه المشكلة الصحية غير واضحة، سواء من حيث نطاق انتشار الوباء (عدد المناطق الموبوءة) أو شدته (معدل الإصابة والوفاة بين السكان)، وهذا ليس فقط بسبب التقسيم الجغرافي للسكان الذي فرضته الحرب ولكن لضعف نشاط الترصد الوبائي الذي يعد الركيزة الأساسية في عملية الكشف عن الوباء وتقدير شدته، وبالتالي تحديد مساره ورسم الخارطة الوبائية الدقيقة، لذلك فإن أي تداول للأرقام عن الإصابات والوفيات بالكوليرا في اليمن ليست سوى عملية تقدير غير دقيقة قد تصل أحيانا حد التهويل للحقائق أو الخلط بين مسببات الإسهال فليس كل إسهال كوليرا، ومن المؤسف أن عددا من القنوات الفضائية أصبحت مصدرا للمعلومات حول الكوليرا، وبحسب سياسات مالكيها باتت الأوبئة في اليمن بشكل عام والكوليرا بشكل خاص واحدة من أدوات الحرب الإعلامية بامتياز.

في الجانب الآخر تظل مسألة الإجابة على هذه الأسئلة ممكنة رغم الظروف الحالية فقط حال تطبيق مبادئ علم الوبائيات الحديث الذي تعتمد عليه منظمة الصحة العالمية في وضع إرشاداتها لمكافحة الأوبئة.

لقد تمكنت البشرية قبل 150 عاما من تقليص أخطار الكوليرا، فهي من الأمراض المنسية في كل البلدان المتقدمة، ويرجع الفضل إلى رجل واحد تمكن من كشف العلاقة بين الماء وانتشار الكوليرا حتى قبل اكتشاف الميكروب المسبب لها بعدة سنوات. هذا الرجل هو الطبيب جون سنو John Snow الأب الروحي لعلم الوبائيات الحديث، بعدها أصبح تعقيم مياه الشرب أمرا إلزاميا للقضاء ليس على الكوليرا فقط ولكن الكثير من الأوبئة والأمراض المنقولة بواسطة الماء.

واليوم يقبع تمثال لهذا العالم في شارع برود (Broad Street)، وسط لندن بجوار مضخة الماء اليدوية التي أمر بإغلاقها ليختفي الوباء من أحياء لندن وكان ذلك في عام 1854م.

وفي تاريخ اليمن الكوليرا ليست وباء جديدا فهي معروفة منذ القدم وقد كانت أكثر سوءًا وفداحة منها، ونذكر تلك التي بدأت في سبتمبر 1990م، أي بعد الوحدة بثلاثة أشهر، واستمرت 5 أعوام فتكت فيها (الكوليرا والشيجلا) بأرواح أكثر من 3.000 نسمة وأكثر من 4 ملايين إصابة ومع ذلك لم يتم الإعلان عن الوباء، لكن التخلص منه تم فقط بعد أن أيقنت القيادة السياسية بضرورة تنفيذ الخطة الوطنية لمكافحة الكوليرا والتي أعدتها كوادر محلية من الصحة والقطاعات ذات العلاقة على ضوء إرشادات منظمة الصحة العالمية، فلقد تمكنت الخطة من تحديد مهام كل قطاع، وخاصة الصحة والمياه والتربية والإعلام والسلطات المحلية والتي على ضوئها أعدت خططا للمحافظات والمديريات الموبوءة وإعطاء صلاحيات كاملة للفنيين المختصين في كل محافظة ومديرية من المديريات الموبوءة، وأصبح المركز محتفظا بدوره الإمدادي والإشرافي والرقابي.

خطة لانتشال البلد من الكوليرا
وبعد 25 عاما نجد أنفسنا بحاجة ماسة للعودة للعمل بهذه الخطة بعد تحديثها بالطبع، ومن الصعب التطرق للخطة بالتفصيل وإنما الإشارة إلى أهم الأنشطة والفعاليات التي يجب أن تنفذ متكاملة وفي وقت واحد وفي كل مديرية وهي، كالتالي:

1 - الترصد الوبائي الفعال: يقوم به فريق يتألف أعضاؤه من طبيب وبائيات وفني مختبر ومفتش صحة عامة في كل مديرية، ولابد من تدريبهم جيدا وتزويدهم بمتطلبات التحري، ويفضل أن يكونوا من أبناء المديرية نفسها، ويقوموا بمتابعة البحث عن أي حالة مشتبهه وجمع العينات والتبليغ الفوري عنها لفريق المديرية، بالإضافة إلى الكشف عن حالة آبار وخزانات مياه الشرب ومصادر المياه الأخرى ومجاري الصرف الصحي الطافحة، وخضوع المطاعم للفحص الدوري.

2 - التشخيص المخبري: في كل مديرية يتم تعزيز عمل المختبرات بتدريب الكادر وتوفير المعدات والمحاليل للكشف عن ميكروب الكوليرا بين المرضى ومصادر ماء الشرب وغيرها من البؤر المحتمل تلوثها بالميكروب.

3 - العلاج: علاج الكوليرا أسهل بكثير من علاج حمى الضنك، لذلك يجب أن يتم في كل مرفق صحي ولا يسمح بنقل المرضى من مديرية إلى أخرى، الأمر الذي يتطلب تدريب كل الأطباء والعاملين والصحيين على عملية التشخيص السريري والمعالجة السليمة والفورية لمرضى الكوليرا ميدانيا وليس نظريا وفي قاعات الفنادق، حيث يمكن أن تستاء حالة المريض عند نقله، إذ إن دقائق معدودة قد تكون فارقا بين الحياة والموت.

ويجب على العاملين الصحيين أن يعرفوا بأن 100 ملل لكل كيلوجرام من محلول الرنجر لاكتيت (Ringer Lactate) في 3 ساعات كفيلة بإنقاذ حياة مريض الكوليرا حتى ولو أعطيت له تحت شجرة.

وعليهم أن يتعودوا إعطاء المريض أكثر من دريب في وقت واحد حتى يتم استهلاك الكمية كلها في وقت واحد، بمعنى تركيب أكثر من دريب في وقت واحد في اليدين وفي الأرجل إذا اقتضى الأمر، لأن معظم الوفيات التي تحصل بعد وصول المريض إلى المستشفى سببها تقليل كمية (الرنجر) أو قلة الخبرة في التصرف عندما تختفي الأوردة وترك المريض من دون المحاولة بتشريبه محلول الإرواء الذي أنقذ العديد من المرضى من واقع تجربة شخصية، لذلك ليس بالضرورة بناء مراكز لمعالجة الكوليرا فسرعان ما تهجر بعد أن استنزف بناؤها موارد كبيرة كانت ستكون ذات جدوى لو أنها سخرت للأنشطة الفعلية مثل تأمين مياه الشرب الترصد الوبائي.

4 - أنشطة المكافحة والتدابير الوقاية من الكوليرا: وتشمل ضمان توفر المياه النظيفة وظروف الإصحاح الجيد للسكان الذين لم يتح لهم بعد الحصول على هذه الخدمات الأساسية، ويعتبر التثقيف الصحي ونظافة الأغذية وجودتها من عوامل الوقاية الهامة أيضاً، وينبغي تذكير المجتمعات باتباع الممارسات السلوكية الصحية الأساسية، كضرورة غسل اليدين بالصابون على نحو منتظم بعد التبرز وقبل مسك الأطعمة أو تناولها، بالإضافة إلى اتباع الممارسات السليمة في تحضير الأطعمة وحفظها.

وينبغي إشراك وسائل الإعلام الجيدة، مثل الإذاعة والتلفزيون والجرائد، في نشر رسائل التثقيف الصحي، وينبغي للقيادات الاجتماعية والدينية أن تشارك في حملات التعبئة الاجتماعية.

ومن المؤسف أن ما تفردت به موجة الكوليرا الحالية هو الاستحواذ الشامل للمنظمات الدولية على صناعة القرار وإدارة الموارد المالية والمادية الضخمة التي لم يسبق لليمن أن حصلت عليها لكل الأوبئة مجتمعة، ولقد أصبح واضحا أن بعض هذه المنظمات أساءت استخدام هذه الموارد حيث عمدت على جلب طابور من الخبراء الأجانب والذي تفننوا بدورهم في تحريف مبادئ وأساسيات علم الوبائيات وانتقاء أنشطة وفعاليات مكافحة ثانوية من مثل توزيع مواد التنظيف وحملات التطعيم، بينما مصادر وبؤر الوباء تزداد يوما عن يوم، وهو ما ساهم بشكل كبير في تشويش الحقائق وفي استمرار تفشى الوباء وزيادة معاناة السكان، ولكون مكافحة الكوليرا عملا وطنيا فإن الضرورة تحتم وجود قرار سياسي ملزم لكل الوزارات والجهات المعنية وتشكيل لجنة وطنية عليا يترأسها رئيس الوزراء أو أحد نوابه ولجان محلية على مستوى المحافظات والمديريات.

أيضا لابد من تشكيل فريق فني مركزي يتولى مهمة مساعدة المحافظات على وضع خططها والإشراف عليها وتقييمها، وهذا هو تماما ما تم تنفيذه في الفترة ما بين مارس 1993م وحتى يونيو 1994م عندما كان وباء الكوليرا قد وصل إلى 13 محافظة.
ومن المفارقة أن الوباء انحسر كثيرا بعدها رغم أن الحرب كانت على أشدها.
*استشاري علم الوبائيات​