كيف تصنع إيران وكلاءها في المنطقة العربية؟

كريم شفيق


تستثمر طهران الجماعات الانفصالية والمليشيات للتأثير على تماسك الدول العربية

يفرض الوجود الإيراني، على الساحة الإقليمية والعربية، حضوره بصورة ملحّة، عبر تعقيدات سياسية وعسكرية، يمارس من خلالها نفوذه المتنامي، ويفتح من خلالها جيوباً عديدة، لتحقيق إستراتيجيته الأيديولوجية والأمنية.
وعلى ضوء العديد من المتغيرات، التي رافقت أحداث «الربيع العربي»، ينتقل اللاعب الإيراني، بين عدة مواقع، ويمارس أدواره بفعالية؛ في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، وحتى المغرب العربي؛ إذ قطعت المملكة المغربية مؤخراً، علاقاتها مع طهران، وطردت السفير من الرباط.

مثلت الانتخابات العراقية صدمة لإيران؛ حيث تراجعت فيها حصّة تحالف النصر، المدعوم من إيران، وأربكت أجندتها السياسية داخل العراق، وقد فسرت النتائج، بأنها جاءت بسبب حالة السخط الموجودة من التحاق قوات الحشد الشعبي للجيش العراقي، في عهد العبادي، والاتهامات بالفساد التي لاحقت عناصر من تلك الميلشيات، واحتلال داعش للمدن ذات التكتل السنّي.
وفي السياق نفسه؛ تبدو الساحة السورية بمثابة سجل جرائم حرب، من جهة حجم القتلى واللاجئين، وذلك، منذ تحولت دمشق إلى أرض صراع وحرب كونية، بين أطرافها الإقليمية والدولية، التي تسعى داخلها إيران، إلى تقوية مصالحها وتعميق نفوذها، عبر تدخلات مباشرة وميدانية، من خلال ميلشياتها العسكرية، التابعة للحرس الثوري الإيراني؛ بداية من عناصر حزب الله في لبنان، وليس انتهاء بفيلق القدس وغيره.

حزب الله في لبنان.. شرعية السلاح والقتال
وامتدّ الدور الإيراني، على مستوى آخر، عبر ما شهدته الانتخابات البرلمانية اللبنانية، من ملابسات وسياقات، لعب حزب الله الدور الأساسي في هندستها وتمريرها، لخلق مخرجات ونتائج تدعم وجوده ونشاطه المحلي، وكذا دوره الخارجي.
وقد تسبّب حزب الله بأزمة الفراغ الرئاسي في لبنان، وعطّل عدة مرات تسمية رئيس الجمهورية، فضلاً عن تمديد دام مرتين لبرلمان 2009م، وحتى مشاركته في تعديل قانون الانتخابات، المعتمد منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية، عام 1920م، الذي حظي بعدها بنجاح مع حليفه السياسي من حركة أمل الطائفية.

والمحصلة؛ شرعنة سلاح حزب الله، وقتاله في سوريا إلى جانب الحرس الثوري، وتأكيد معادلته الدعائية، التي يرفعها في وجه خصومه، المحليين والإقليميين، في صيغتها «الشعب والجيش والمقاومة».
وهو ما أكّد عليه مستشار مرشد الثورة الإيرانية، علي ولايتي، في تعليقه على نتائج الانتخابات، بأنّها «ناتجة عن تأثير السياسة اللبنانية الراهنة، في الحفاظ على استقلال ودعم سوريا أمام الإرهابيين».

إذاً؛ لا يبدو أنّه ثمّة حراك لإيران، عبر وكلائها في المنطقة، سواء معلن أو خفيّ، إلّا ويتصل بأهداف الدولة الراعية ومخططاتها، ودعمها السياسي واللوجستي، الذي لا تكفّ عن حشده واستثماره، عبر منصاتها الإعلامية ومنابرها السياسية.

المغرب والقطيعة مع إيران... لماذا هي الاستثناء؟
لكن، لماذا تبدو الحالة المغربية مغايرة عن سابقتها، وقد أخذت خطوة جادّة وحاسمة؛ حيث قطعت المملكة المغربية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، بطردها السفير الإيراني في الرباط، في الأول من (مايو) العام الماضي، وإغلاق سفارتها، في طهران؛ وذلك على خلفية اتهامات لاحقت الملحق الثقافي الإيراني في الجزائر، أمير طاهري، بأنّه يعمل بالتنسيق مع حزب الله اللبناني، بغية تدريب عناصر من جبهة البوليساريو، المعارضة للمملكة.

تدريب عناصر من جبهة البوليساريو، المعارضة للمملكة
وتكشف تصريحات وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، أنّ ثمّة صلة تربط بين جبهة البوليساريو، التي تسعى إلى الانفصال والاستقلال عن الصحراء المغربية، وجماعة حزب الله، ويتمثل في تقديم الأخيرة الدعم اللوجيستي والمالي، إضافة إلى خبرات التدريب العسكري إلى أعضاء الجبهة.
وبحسب تصريحات حكومية مغربية، صادرة عن الناطق باسم الحكومة، مصطفى الخلفي؛ فتمّ الكشف عن جوازات سفر دبلوماسية إيرانية، منحتها طهران لعناصر جبهة البوليساريو، بهدف حرية السفر والحركة، بغطاء آمن من الناحية الأمنية والاستخباراتية، للمشاركة في الاجتماعات الدولية، وقد منِحت هذه الجوازات من قبل أحد موظفي السفارة الإيرانية بالجزائر.

وبحسب المعهد الدولي للدراسات الإيرانية؛ فإنّ هذه الخطوة وتطوراتها تحمل عدداً من الدلالات المهمة، سيما أنّه لم يمرّ سوى عام ونصف العام على قطيعة سابقة، دامت سبعة أعوام بين البلدين، بين عامَي 2009م وحتى (أكتوبر) 2016، لكن، نظراً إلى طبيعة الاتهامات التي تطال تورّط إيران في دعم جبهة البوليساريو الانفصالية، وتبعاً لحساسية تلك المسألة، بالنسبة إلى المملكة المغربية، فإنّ العلاقات دخلت في أزمة سياسية شديدة التعقيد.

سيناريوهات البقاء والنفوذ الإيراني
وعلى كلّ حال؛ يبدو أنّ إيران تعتمد كافة السيناريوهات لخلق بيئة مواتية لنفسها، وتستدعي كلّ منها، بحسب ما يتناسب وشروط كلّ دولة.
وتتراوح الحيل التي تستخدمها لتنفيذ سياساتها الخارجية، بين الناعمة والمستترة، أحياناً، عبر نشر التشييع، لاعتبارات سياسية، وليست عقائدية، أو بأدوات صلبة، من خلال أذرعها الإقليمية، كحزب الله، واستهداف الجماعات الانفصالية، ودعم المليشيات وتحريكها، بهدف التأثير على تماسك الدولة.

وهو الأمر الذي تستثمره في الحالة المغربية، والتقاط النزعات الانفصالية، من خلال دعم جبهة البوليساريو، والاستفادة من توتر العلاقات المغربية الجزائرية.
وفي أحدث التقارير التي أصدرتها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات؛ فقد رصدت حجم الأموال الطائلة التي تمنحها طهران سنوياً، لعدد من الأنظمة والميلشيات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث إنّها تنفق أكثر من ستة عشر مليار دولار سنوياً.

ومن جهته، يشير ديفيد أدسنيك، مدير الأبحاث في المؤسسة، إلى أنّ «دعم نظام بشار الأسد في دمشق، يحوز النسبة الأكبر، والتي تقدر بأكثر من 15 مليار دولار سنوياً».
وفيما يتصل بحزب الله في لبنان؛ فإنّه يكلّف النظام الإيراني سنوياً ما بين 700 إلى 800 مليون دولار، بيد أنّ حركتي حماس والجهاد تكلّفان طهران ما يقرب من 100 مليون دولار سنوياً.

وتوثق تقارير رسمية أصدرتها واشنطن الدعم الإيراني للحوثي في اليمن، ويشمل الصواريخ الباليستية، لكن لم ترصد مبالغ مالية محددة، بينما تبلغ ميزانية ميليشيات الحرس الثوري نحو 8 مليارات و200 مليون دولار سنوياً، بحسب مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
ويشير الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور محمود حمدي، مدير مجلة «دراسات إيرانية»، الصادرة عن المعهد الدولي للدراسات الإيرانية في الرياض، إلى أنّ القطيعة بين المملكة المغربية وطهران، تنبعث في توقيت حساس وغير موات، بسبب التطورات الراهنة التي تترافق واقتراب موعد إدراج ملف قضية الصحراء المغربية، على قائمة جدول أعمال مجلس الأمن، بينما تسعى إيران لإثارة الاضطرابات في الصحراء المغربية، لتبدو كمنطقة غير مستقرة، تستلزم تدخلاً دولياً مباشراً، أو الوصول إلى تحقيق هدف المنشقين من أبناء الصحراء المغربية، بإجراء استفتاء حول انفصال الصحراء عن المملكة المغربية.

ويضيف في حديثه لـ «حفريات»: «ومن هذا المنطلق، تكون إيران وحزب الله اللبناني أصحاب الفضل في ذلك، في حالة نجاح هذا المخطط الانفصالي، ومن ثم إيجاد موطئ قدم لها في تلك المنطقة الحيوية، وضمان الحصول على حليف مضمون على شواطئ الأطلسي، يمنح قاعدة ثابتة للأنشطة الإيرانية غرب إفريقيا، ويدعم الحضور الإيراني في كلّ من السنغال ونيجيريا، بعد أن أضحت جماعة الزكزاكي الشيعية في نيجيريا، ذات انتشار كبير، في غرب القارة، ولتستكمل إيران، من خلال هذا الحضور، خلق مناطق نفوذ لها في إطار صراعاتها الإقليمية والدولية».

صحافي وكاتب مصري عن «حفريات»