غيّروا وجه التاريخ: الكسندر فلمنج.. مكتشف البنسلين

إعداد/ د. ياسر عمر الهتاري

من طفل فقير يتيم يمشي 13 كم لمدرسته إلى حامل 30 شهادة دكتوراه

ولد في منطقة (لوشفيلد) في 6 أغسطس سنة 1881 في اسكتلندا، أصبح يتيم الأب وهو في سن السابعة، كان والده فلاحاً فقيراً، وتلقى هذا الطفل تعليمه في مدرسة متواضعة تحوي اثنى عشر طفلاً فقط، وللوصول لهذه المدرسة كان يتطلب منه الأمر أن يمشي مسافة نحو 13 كم يومياً ذهاباً ومثلها إياباً، إنه الطفل المشاء الذي أصبح ذات يوم حاملاً لجائزة نوبل ومكتشف لأحد أعظم عقاقير العالم الطبية، إنه الكسندر فلمنج مكتشف البنسلين.
الكسندر فلمنج في معمله
الكسندر فلمنج في معمله

كان طموح الشاب الكسندر فلمنج هو أن يصبح جراحاً، لكن المصادفة هي التي دفعت مستشفى (سانت ماري) إلى حاجتها لاختصاصيين في مجال البكتيريا والجراثيم، فغير فلمنج اتجاهه مجبراً تقريباً نحو دراستها، وعلى الرغم من رغبته الشديدة وحلمه في أن يصبح جراحاً إلا أنه ما أن بدأ بدراسة عالم البكتيريا والجراثيم حتى أغرم فلمنج بهذا المجال، فعمل على تطوير قدراته البحثية في هذا علم البكتيريا والمناعة، وكان الكسندر فلمنج مرتبطاً بعلاقة علمية وطيدة مع عالِم الجراثيم الدكتور (إدوادرد رايت) والذي كان له الفضل الكبير في توجيه فلمنج علمياً أثناء دراسته للبكتيريا والجراثيم.

خدم الكسندر فلمنج في الجيش في الفيلق الطبي للجيش الملكي في الفترة بين 1900 - 1914، وكان قد التحق بالمجال الطبي في عام 1901م، أي بعد التحاقه بخدمة الجيش بعام واحد تقريباً، ودرس الطب في كلية الطب التابعة لمستشفى (سانت ماري) في جامعة لندن، وهي التي رشحته لدراسة البكتيريا والمناعة، وأثناء دراسته الطب أثبت فلمنج تفوقه في الكلية وتحصل نظير اجتهاده العلمي على ميدالية ذهبية كطالب طب متفوق، ولم يحل العام 1946م إلا وكان الكسندر فلمنج قد أصبح رئيس قسم التطعيم في مستشفى (سانت ماري).
الكسند فلمنج في معمله
الكسند فلمنج في معمله

إذا كانت نقطة التحول الأولى في حياته هي التي دفعت بمستشفى (سانت ماري) في أن يتجه الكسندر فلمنج لدراسة البكتيريا والمناعة، فإن نقطة التحول الثانية كانت في خدمة الكسندر فلمنج في الجيش الملكي، حيث كان يشهد بأم عينيه يومياً عشرات الجثث التي توفي أصحابها بسبب التهاب جروحهم، وكان يلاحظ أن المطهرات المعروفة آنذاك كانت تؤذي الجروح عند قتلها للجراثيم فتتسبب بمشاكل أكبر للمريض تؤدي إلى موت العديد من الجنود بسببها، إذ كانت تتسبب في تخريب المناعة الطبيعية بجسم الجنود المرضى بمعدل أكبر من قدرتها على تطهير الجروح، فأوصى الكسندر فلمنج حينها بأن الأفضلية هي بالحرص على أن تبقى الجروح جافة ونظيفة والتقليل إلى أدنى حد ممكن من استخدام هذه المطهرات على الجروح، لكن كعادة العلماء العظام، لم يستمع أحد لنصحهم كما هو الحال مع الطبيب الكسندر فلمنج، أو يمكن القول إنه لم تتم الاستجابة الجدية والكافية لتوصياته.

تمثال ألكسندر فليمينغ نُحِت في برشلونة في 1965 تكريماً له في علاج جرحى مصارعي الثيران
تمثال ألكسندر فليمينغ نُحِت في برشلونة في 1965 تكريماً له في علاج جرحى مصارعي الثيران
انتهت الحرب العالمية الأولى، وعاد الطبيب الكسندر فلمنج لعمله المعتاد في مستشفى (سانت ماري)، إلا أنه كان بانتظاره هذه المرة منصباً جديداً هو مساعد رئيس لقسم التلقيح في المستشفى، وأصبح استاذا للبكتيريا في جامعة لندن في عام 1928،
اهتم الكسندر فلمنج بدراسة البكتيريا والمناعة في نفس الوقت، وأثناء ذلك اكتشف  إنزيم (الليزوزيم)، وهو عبارة عن إنزيم موجود في سوائل الجسم له خاصية مطهرة والقدرة على القضاء على البكتيريا، وكان هذا أول كشف علمي لفلمنج، إلا أنه لم يكن كشفاً ذا صدى علمي واضح كون هذا الإنزيم على الرغم من قدرته على قتل البكتيريا بأمان ولا تؤذي جروح المرضى، إلا أنه كان غير ذا تأثير تقريباً على البكتيريا الخطيرة، إلا أن هذا الكشف العلمي كان فاتحة لكشف علمي لا يزال تأثيره عظيماً حتى اليوم، إذ استمر فلمنج في أبحاثه وتوصل إلى إنزيم أكثر قوة وأكثر فعالية على البكتيريا الخطرة من دون أن تؤذي جروح المرضى، وحتى هذه اللحظة لم يكن يعرف بأنه قد أكتشف المضادات الحيوية، بل إنه لم يكن ينوي ولم يكن في تخطيطه أن ينتج ما يعرف اليوم بالمضادات الحيوية، وفي وصف قاله لاحقاً الكسندر فلمنج، قال : «عندما استيقظت صبيحة يوم 28 سبتمبر من سنة 1928، بالتأكيد لم أكن أخطط لإحداث ثورة من خلال اكتشاف أول مضاد حيوي في العالم، ولكن يبدو أن هذا هو بالضبط ما فعلته»، وكان اسم هذا الإنزيم هو (عصير العفن) ثم سمي هذا الإنزيم باسمه المعروف اليوم (البنسلين)، فكانت هنا نقطة التحول الثالثة والعظيمة ليست فقط في حياة فلمنج العلمية، لكنها كانت نقطة تحول عظيمة للبشرية جمعاء، مع الإشارة إلى أن استخدام كلمة (إنزيم) لاكتشافه حتى ذلك الوقت كان استخداماً مجازياً لا أكثر، لأن ما اكتشفه الكسندر فلمنج كان وبكل وضوح هو أول أشكال المضادات الحيوية في التاريخ.

أشار الكسندر فلمنج لاحقاً إلى أن (البنسلين) يتمتع بإمكانات سريرية علاجية كبيرة، وأشار أيضا إلى أنه (البنسلين) يمكن استخدامه عن طريق الحقن أو عن طريق الاستخدام الخارجي على الجروح الملتهبة مباشرة، وهي الطريقتان اللتان لا تزالان تستخدمان حتى الآن للبنسلين، إلا أن فلمنج لم يتمكن خلال أبحاثه التالية من عزل (البنسلين) بصورة نقية على الرغم من محاولاته العظيمة في ذلك.
اعلان قديم عن عقار البنسلين
اعلان قديم عن عقار البنسلين
كانت نقطة التحول الرابعة في حياة فلمنج كانت على وشك أن تتكون، وذلك عندما سمع أثنان من علماء جامعة (أكسفورد) عن أبحاث فلمنج حول المضاد الحيوي البنسلين، وكان هذان العالمان هما (هوارد فلوري) وزميله (آرنست شين)، حيث تمكنا بأبحاثهما من عزل البنسلين، فتهافتت معامل إنتاج الأدوية الأوروبية والأمريكية لإنتاج هذا العقار بكميات تجارية، بعدها تطورت الأبحاث حول هذا العقار الجديد وتمكن العلماء من إنتاجه بكميات كبيرة حوال العالم، فدخل البنسلين حيز الاستخدام الطبي خلال الحرب العالمية الثانية، وكان علامة فارقة في حياة الجرحى بين الحربين العالمية الأولى والثانية، فرأى الكسندر فلمنج بأم عينيه الفرق بين جرحى الحرب الأولى وكيف كانوا يموتون بالتهابات جروحهم والعدوى، وجرحى الحرب الثانية الذي تمكنوا من النجاة، فكان اكتشافه ثورة في ميدان المعركة بفعل عقار ابتكره فلمنج من عفن الخبز، فحصل الكسندر فلمنج بالاشتراك مع العالم هوارد فلوري و آرنست شين على جائزة نوبل في الطب عام 1945، وكان دوره هو بأنه قد اكتشف هذا العقار، بينما حصلوا هم على الجائزة بسبب تمكنهم من عزله وتنقيته وتجهيزه للاستخدام على الجرحى، إلا أن تنقية البنسلين كان يمكن أن يقوم بها أي عالم آخر، لكن يعود الفضل لفلمنج في أنه هو في الأصل من أوجد هذا العقار.

مستشفى سانت ماري الذي عمل به الكسندر فلمنج في لندن
مستشفى سانت ماري الذي عمل به الكسندر فلمنج في لندن
توفي الكسندر فلمنج في 11 مارس 1955م بنوبة قلبية تاركاً أبناً وحيداً، وإلى حين وفاته تقلد فلمنج  العديد من المناصب تكريماً له وتقديراً لدوره  العلمي، منها استاذاً فخرياً في علم الجراثيم في عام 1948، ومنصب رئيس جمعية الأحياء الدقيقة العامة، وتم تعينه رئيساً لجامعة (أدنبره)، وعضو في الأكاديمية البابوية للعلوم، كما أصبح فلمنج تقريباً عضو فخري في كل مجتمع طبي وعلمي تقريباً حول العالم، وتحصل على درجة الدكتوراه الفخرية من 30 جامعة من أمريكا وأوروبا.

وحتى اليوم يُعَد البنسلين أحد أكثر المضادات الحيوية انتشاراً، ويستخدم في علاج كثير من الأمراض كانت فيما سبق قاتلة لصاحبها لا محالة، ولمعرفة أهمية البنسلين فانه يجب أن تعرف أنه كان يكفي أن تصاب بالزهري لتموت، فقدم فلمنج للبشرية عقاراً نشتريه اليوم بأبخس ثمن من أصغر مخزن أدوية، بينما كان الآلاف يموتون لعدم اكتشافه قبلهم، فكان الكسندر فلمنج بأعماله واحداً ممن غيروا وجه التاريخ.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى