الأسرة اللحجية المنتجة

عياش علي محمد

عياش علي
عياش علي
الصورة الفوتوغرافية لحوطة الفضائل لحج، في القرن السابع عشر، تكون أروع وأجمل وأنظف مما عليه الحال في الوقت الحاضر.
والأرض اللحجية خلقت بواسطة (المحراث الخشبي) الذي شق تربتها الطينية إيذاناً بانبلاج حضارة زراعية راقية، وتأسست قراها المترامية الأطراف على ضفتي الوادي الصغير والوادي الأعظم، في سلسلة قرى وحدتها مياه وادي تبن، فتوحدت حياتها الاجتماعية والثقافية والفولكلور الشعبي ومراسيم الأفراح والأتراح واللهجة الموحدة على طول وعرض الحوطة اللحجية.

واعتلت سفوح القرى اللحجية ولياً من الأولياء الصالحين كناية عن وجود قوة روحية، تحرس هذه القرى وتعطيها البركة والأمن والاستقرار، ومنحت لهؤلاء الأولياء زيارات سنوية على مدار السنة باستثناء شهر رمضان الكريم.
 وتوزعت قوة العمل بين أوساط الأسرة اللحجية، وتخصصت كل أسرة بصناعة بضاعة محددة، فهذه الأسرة تصنع الفطيرة وتلك الألبان ومشتقاتها، وبيوت للخمير، وبيوت لكل نوع من أنواع الحلويات.

وتنقل هذه البضاعة إلى السوق الرئيسي، وفي حالة أعياد الزيارات تنقل إلى سوق القرية المقام فيها الموالد.
وانفردت المرأة اللحجية بجلب المياه من الآبار، وترميم المنازل المبنية من اللبن (الطوب) وطلائها، إضافة إلى دورها في الزراعة والحصاد.

لهذا حدثت مساواة بين الرجل والمرأة، حتى أنهما يمارسان الرقص معاً دون خجل.
لهذا راعت القوانين العبدلية وضعية المرأة اللحجية، وقررت منع سجن النساء، واختفت السجون النسائية في لحج نهائياً، وفي حالة شجار امرأة ضد أخرى ينتهي الأمر باحتجاز ولي أمر المرأة المعتدية، حتى تسوية الأمر بينهما. وأعطت المرأة اللحجية صورة زاهية، متجاوبة مع زهاء وطنها، وحتى في زمن الأزمات، لم تقصر المرأة اللحجية في دورها الريادي، متجاوزة تلك الأزمات.

وعلى سبيل المثال عندما احتلت الجيوش التركية لحج عام 1915م وقتل سلطانها السلطات أحمد بن علي العبدلي من قبل الفرقة البريطانية والهندية بسبب أن السلطان عند مغادرته لحج كان مئتزراً بالملابس التركية، متنكراً حتى لا يكشفه الأتراك.
ودخل الحاكم التركي علي سعيد باشا لحج وهرب سلاطينها وأمرائها وساداتها وظل الأتراك يصولون ويجولون حتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918م.

وتتذكر لحج في إحدى الوقائع الحربية مع الأتراك أن تاه عدد من الجنود الأتراك عند رأس الوادي الصغير، ولم يعثر الجنود الأتراك على أقرانهم الذين قد كانوا سبقوهم في احتلال لحج.
هذا الموقف شجع عدد من النساء اللحجيات في محاصرة الأتراك التائهين، وألقوا القبض عليهم، وجردوهم من أسلحتهم، وأنزلوهم في معتقلات قروية.

وعندما علم حاكم لحج التركي علي سعيد باشا بخبر اعتقال جنوده ارسل بالتفاوض مع من قام باعتقالهم لإطلاق سراحهم وبعد مفاوضات عديدة تم الإفراج عنهم وتسليمهم أسلابهم، وبناء على ذلك كان للجنرال التركي علي سعيد باشا قولاً مأثوراً حول هذه الواقعة تقول
لو كان معي مثل هؤلاء النسوة لهزمت بهم الأعداء ومضيت معهم بجيشي إلى الأناضول منتصراً.