رمضان في صنعاء.. انقلاب على المشهد الروحاني

تقرير/ خاص

ينقلب المشهد تماماً في صنعاء منذ اليوم الأول من شهر رمضان الفضيل، حيث يخيم السكون على نهارها، ويعج ليلها بالحركة المستمرة حتى الفجر، واعتاد الصائمون فيها على المبالغة في الاستمتاع بهذا الشهر، الذي ينتظرونه طوال العام، بزيادة الاستهلاك والنفقات بشراء المواد الغذائية والمشروبات وغيرها، إلا أن هذه العادة الرمضانية تراجعت كثيراً هذا العام، نتيجة للأوضاع التي تشهدها البلاد وحرمان الموظفين من مرتباتهم من قِبل سلطة الحوثي الانقلابية.

واستغرب هاني محمد، وهو موظف حكومي، من دعوة جماعة الحوثي جميع الموظفين للالتزام بالدوام الرسمي في هذا الشهر، من خلال الإعلانات و(البرشورات)، في الوقت الذي تقطع فيه رواتبهم وأي استحقاقات للموظفين، إلا بما تقدمه من مبلغ مالي رمزي قليل تحت ما تسميه بـ «مكافأة السيد، أو إكرامية السيد» الشهرية، والتي هي الأخرى توزع وفقاً للسلالة.
وفي الوقت الذي تحولت فيه الحياة إلى جمود في نهار رمضان، نتيجة لتعطل أعمال المواطنين بسبب التجاوزات غير قانونية من قِبل الحوثيين كالملاحقة والنهب والمصادرة لأرزاق الباعة والمتجولين وغيرهم، يتحول الليل الرمضاني في صنعاء إلى نهار، حيث يقضي معظم المواطنين ليلهم في مضغ (القات) الذي يتضاعف استهلاكه خلال هذا الشهر، أو بالتجول والتسوق حتى ساعات الفجر الأولى، ومنهم من يقضون أوقاتهم في ممارسة طقوسهم الرمضانية الدينية، وآخرون أمام الفضائيات وغيرها، فيما يستغل الكثيرون ليالي رمضان كموسم للبحث وخلق أعمال خاصة كمصدر للرزق لهم ولأفراد أسرهم، ولتحسين أوضاعهم المعيشية والمادية الصعبة بسبب انقطاع المرتبات.

أزمات مفتعلة
ويقول الناشط الإعلامي جمال الورد: «إن أجمل ما في صنعاء أنها مع التكبيرة الأولى لأذان الفجر تتحول كل أسواقها إلى مدن مهجورة، لا بشر فيها غير مئات المحلات والفرشات المغطاة بقطع من القماش أو البلاستيك (الطرابيل) ذات اللون الأزرق، وليس من أحد يحرسها إلا الله».  
في أوقات الراحة والمقيل ومضغ القات، لا شيء يستحوذ على الكثير من الوقت أو المشهد اليومي سوى الحديث عن الظروف الحالية والأزمات اليومية المفتعلة من قِبل الحوثيين، والتي غابت وتلاشت على إثرها الجوانب والمشاعر الروحانية كثيراً، وباتت الأزمات المفتعلة هي المسيطرة على المواطن في كل وقت وحين، فمن أزمة الغاز والمشتقات، إلى ارتفاع السلع، فأسعار الخضروات، ومروراً بارتفاع أسعار اللحوم، وزيادات الواجبات والضرائب التي انعكست بشكل مأساوي وكارثي على المواطن المعدم.
حلويّات مفضلة
حلويّات مفضلة

أطعمة وأكلات شعبية
تستحكم الظروف الاقتصادية والمعيشية، بعشرات الآلاف من مواطني صنعاء والمناطق المجاورة، الذين فقدوا مصادر رزقهم بعد قطع رواتبهم من قبل سلطة الحوثيين، التي منعت عنهم حتى نصف الراتب الذي تصرفه كل أربعة أشهر، رغم أنهم متواجدون في مناطق سيطرتها، بحُجة أنهم متخاذلون ولا يؤيدون واجبهم في جبهات القتال، المشتعلة في طول البلاد وعرضها.
وعلى الرغم من تلك الحالة الاقتصادية الصعبة التي يمر بها غالبية اليمنيين إلا أن ما يميز شهر رمضان في صنعاء هو الإقبال المناسب على بعض المأكولات والمشروبات الشعبية المشهورة حتى أصبحت جزءاً من التراث الرمضاني، وفي غالبية البيوت، ولكنه منخفض مقارنة بالأعوام السابقة، إذ «باتت بعض الأسر في صنعاء تغطي حاجتها ببعض المأكولات الاعتيادية، وتمضي أيامها بما ستر وتيسّر»،

حسب قول الحاج علي مبارك لـ «الأيام»، وهو أحد تجار التوابل بسوق الملح بصنعاء القديمة.
ومقابل ذلك تضم موائد بعض الأسر المتيسرة في وجبة الإفطار أو العشاء صنوفاً من الأطعمة ومنها (الشفوت) وقوامه اللحوح واللبن، و(اللحوح) خبز طري لين يصنع من دقيق القمح أو الذرة الرومية، حيث توضع العجينة على وعاء فخاري أو معدني لتطبخ على نار هادئة حتى تنضج، وبعدها يتم ترتيبه في إناء عريض على شكل طبقات رقيقة يضاف إليها اللبن والخضار المهروسة.
وهناك (بنت الصحن)، حيث يتم تشكيل عجينة مكونة من الدقيق مخلوطة بالسمن والبيض والخميرة وحبة البركة على هيئة أقراص رقيقة جداً، ثم توضع في الفرن حتى تنضج، وبعدها يضاف إليها العسل. فضلاً عن أطباق أخرى منها (السلتة) وقوامها الأرز واللحم والخضار المهروسة والحلبة المخفوقة، وتفضل طباختها في إناء من الفخار حتى يحتفظ بدرجة الحرارة خلال الأكل.

حلويات خاصة
ولرمضان في صنعاء القديمة وبعض الأماكن الأخرى نكهة خاصة إذ بانتشار صناعة الحلويات الخاصة، يزداد الطلب كثيراً على بعضها والتي ترتبط برمضان فقط ومن أشهر هذه الحلويات: (الرواني، والقطائف، والشعوبية، والسمينة) كما لا يقتصر الإقبال على محلات الحلويات الشعبية، فمحلات بيع العصائر الشعبية هي الأخرى تشهد إقبالاً كبيراً، في شهر رمضان، من قبل الصائمين الذين يفضلون الإفطار على هذه العصائر وهي الزبيب والشعير المنقع وكذلك عصير الدبا.

مشاهد رمضانية
وعادة ما تنتعش الأسواق الشعبية في صنعاء وغيرها بصفة عامة في شهر رمضان، فالزائر لها يشعر بولوج حقبة تاريخية قديمة، لبدائية صناعاتها وطريقة عرض بضائعها بأساليب تقليدية قديمة تشعر الزائر بأنه يقلب صفحات من التاريخ.
ففيها يرى معمل طحن البن والجمل يدور حول المطحنة معصوب العينين، وهناك معمل آخر لعصر السمسم وبطريقة مشابهة للأولى، وفي الجهة الأخرى أنواع مختلفة من الحبوب والبهارات المعروضة بأكياس وأواني لتشكل بألوانها الزاهية والمختلفة شكلاً يجذب الزبون ويلفت النظر.