الخليج وأمريكا وحرب اليمن.. معضلة الحليف غير المثالي

إلينا ديلوجر

بعد سبعة عقود من بيع الأسلحة إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، كانت خلالها واشنطن مطمئنة من واقع بيعها طائرات أكثر مما كان لدى هذه الدول من طيارين متدربين، تواجه الولايات المتحدة أخيراً معضلة متوقعة، بل مزعجة: ما الذي سيحصل عندما تقرر دول الخليج أخيراً استخدام الأسلحة سعياً لتحقيق مصالحها الخاصة؟ ففي اليمن، قاد حلفاء الولايات المتحدة في الخليج للمرة الأولى حملة حرب شاملة باستخدامهم الأسلحة والمعدات الأمريكية الصنع، ولكنهم يفتقرون إلى الخبرة التي يتمتع بها حلفاء الولايات المتحدة في “الناتو”. وقد استفادت تلك الدول الخليجية نفسها من ميدان تدريب حيّ سمح لها بتعزيز قدراتها العسكرية، ولكن أيضاً بارتكاب أخطاء كبيرة. وبموازاة ذلك، لعبت الولايات المتحدة دوراً داعماً فقط، مما أدى إلى حماية نفسها من إلزام قوات برية على المشاركة، ولكن أيضاً الحد من سيطرتها على عملية صنع القرار وجعلها عرضةً لانتقادات على أساس خطر الذنب بحكم العلاقة. وقد أسفر هذا الوضع الجديد -حيث يتولى حلفاء غير مثاليين زمام المبادرة في شن حرب- عن سلسلة من المعضلات الجديدة في مجال السياسة.   

وقد أدّى الانسحاب الأمريكي المتصوّر من المنطقة إضافةً إلى وجود زعيم سعودي على استعداد لاتخاذ خطوات عدائية وحاكم إماراتي مستعد لتعزيز القوة العسكرية لبلاده، إلى دفع الولايات المتحدة باتجاه مجموعة من المعضلات السياسية لم تواجهها عندما تولت زمام قيادة الحروب في الشرق الأوسط مثل حرب الكويت (1991) وأفغانستان (2001) والعراق (2003). باختصار، من شأن الطريقة التي تطورت بها حرب اليمن أن تحضّ صناع السياسة على إبرام اتفاقات لضمان عدم مواجهة الولايات المتحدة المعضلات نفسها من جديد.

الانسحاب الأمريكي من المنطقة
على خلفية الحروب الطويلة والدموية والمكلفة في العراق وأفغانستان، بدأ الشعب الأمريكي وإداراته الرئاسية من كلا الحزبين بفك الارتباط عن الشرق الأوسط – في البداية من خلال ما يسمى بالتمحور حول آسيا ومن ثم رفض الانجرار بعمق في نزاعات ما بعد “الربيع العربي”، والتي أراد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة خوضها. وتخشى دول الخليج من أن تعرضها طريقة التفكير الأمريكية الجديدة هذه للخطر، ولاسيما في ظل عدم استطاعتها تقييم مدى رغبتها في فك الارتباط. وقد تعمقت هذه المخاوف حول الالتزام الأمريكي بأمن دول الخليج (أو، في نظرها، استمرار أنظمتها) بعد “الربيع العربي”. وتساءلت: هل ستهبّ الولايات المتحدة للدفاع عنا كما فعلت تجاه الكويت في عام 1991 أو تتركنا لمصيرنا كما فعلت مع الرئيس المصري حسني مبارك في عام 2011؟ وقد ردت دول الخليج بشكل مختلف إزاء التراجع المتصوّر لالتزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة: فقد حاولت عُمان وقطر استمالة أمريكا للحفاظ على أنظمتهما في المنطقة من خلال إتاحة الوصول العسكري إلى ميناء جديد أو تقديم تحسينات مجانية لقاعدة عسكرية قائمة، على التوالي. وفي المقابل، قرر السعوديون والإماراتيون أنهم بحاجة إلى حماية الدول المجاورة لهم، فعززوا بالتالي مشاركتهم الخاصة. وقد أرسى ردّ الفعل الأخير هذا أساساً لتدخل موسّع في اليمن.

استعداد السعودية للانخراط عسكرياً
برزت الرغبة السعودية في الانخراط عسكرياً في اليمن بالتزامن مع تغيير في القيادة. فالأمير الشاب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي تبوأ السلطة بشكل سريع وبأجندة مكثفة من أجل التغيير، يعتبر السرعة من المكونات الضرورية لسياسة السعودية الإصلاحية الشاملة. وإذ لا تنطوي سياسته الخارجية على الدبلوماسية الصبورة، غالباً ما تصفها السرديات، وفقاً لاختيار الكاتب، بما يلي: ذات مرة، أرغم رئيس وزراء يشغل منصبه في لبنان على الاستقالة عبر شاشات التلفزيون (عندما كان يقوم بزيارة للسعودية)، أو الحادثة التي ابتزّ فيها الأمين العام للأمم المتحدة من أجل منع إصدار تقرير سلبي حول السعودية، أو عندما قطع العلاقة الثنائية لبلاده مع كندا بسبب تغريدة. ويبدو أن مثل هذه الخطوات تتناسب مع أسلوب محمد بن سلمان: قرارات حازمة ومفاجئة ومحفوفة بالمخاطر على أمل تحقيق نتائج كبيرة. وفي عام 2015، شكّلت الحرب في اليمن رهاناً مماثلاً. وبالفعل، يقرّ المسؤولون الخليجيون في المجالس الخاصة بأن القيادة السعودية اعتقدت -في البداية- أن الحرب في اليمن لن تدوم أكثر من ثلاثة أسابيع، وبدلاً من ذلك، فإن الأمير الذي هو في عجلة من أمره يجد نفسه غارقاً في مستنقع اليمن بعد أربع سنوات (من بدء الحرب).

وتمثّل السعودية في ظل قيادة محمد بن سلمان معضلة جديدة للولايات المتحدة: حليف خليجي رئيسي يرغب في شنّ حرب بواسطة أسلحة أمريكية الصنع، ولكنه يفتقر إلى القدرة على الفوز بها. وقد تكون السعودية مجهزة تجهيزاً جيداً كحليف لـ “الناتو” ولكنها تفتقر إلى التدريب الجيد. فضلاً عن ذلك، لم يكن لديها الجرأة التي يتمتع بها أعداؤها للتضحية؛ وبدلاً من ذلك، ومع بعض الاستثناءات، فضّلت المرتزقة على الجنود السعوديين والحملات الجوية على القتال البري. أخيراً، أدّت قلة خبرتها إلى تعريض أمريكا لخطر الذنب بحكم العلاقة بسبب الأحداث التي كانت الولايات المتحدة ستحاول تجنبها لو كانت قيادة دفة الحرب بيدها.  

الإمارات تسعى لبناء قدرة عسكرية حقيقية
مثلما كانت السعودية مستعدة لشنّ حرب، كانت الإمارات مستعدة لخوضها وقادرة على ذلك، ولكن وفقاً لشروطها الخاصة إلى حدّ كبير. فلطالما سعى محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، إلى بناء جيش من الطراز العالمي. وفي عام 2002، قدّمت الحرب في أفغانستان فرصة للقوات الخاصة الإماراتية للاندماج مع الأمريكيين، مما سمح للإمارات بتطوير قدرات لا مثيل لها في الخليج. وكما يصف الأمر أحد المسؤولين العسكريين الأمريكيين، إذا كانت الإمارات “قد اكتسبت مهارة أساسية في أفغانستان”، فقد شحذت مهاراتها في اليمن. وقد طوّرت الإمارات، بشكل مستقل عن الولايات المتحدة وغالباً من دون دعمها، شركاءها الخاصين في اليمن وشنّت هجمات برية وجوية وبرمائية مبهرة ونفذت عمليات لمكافحة الإرهاب.

ومن شأن وجود حليف ماهر كالإمارات أن يقلل من مخاوف الولايات المتحدة بشأن قلة الخبرة، ولكن مثل هذه القوة والاستقلالية العسكرية تمثلان معضلة مختلفة: فبإمكان مثل هؤلاء الحلفاء تزويد جهات فاعلة من أطراف ثالثة، سواء عمداً أو عن غير قصد، بالتدريب والقدرات والذخائر الأمريكية المصدر، من دون علم الولايات المتحدة أو موافقتها. وقد برزت تقارير في أوائل عام 2019 عن تحقيق أجرته وزارة الدفاع الأمريكية بشأن قيام الإمارات بنقل معدات عسكرية أمريكية المصدر إلى جهات محلية في اليمن. وقد تشكّل بعض الانحرافات انتهاكاً لشروط البيع، مما يمنح الولايات المتحدة بعض النفوذ في الفترة القادمة ولكن القليل منه على المدى القصير. علاوةً على ذلك، فإن عمليات نقل المعرفة والقدرات النوعية الأخرى إلى جهات فاعلة بغيضة قد تكون خارج نطاق سيطرة الولايات المتحدة تماماً.

معضلة الحليف غير المثالي
إن شنّ حرب من قبل الحلفاء الخليجيين، واستخدامهم لأسلحة أمريكية الصنع، وتطويرهم لقدرات عسكرية، وقدرتهم على ارتكاب أخطاء جسيمة، كلها أمور تسهم في معضلة الحليف غير المثالي. وبالفعل، تشكّل الحرب في اليمن مثالاً قاتماً على ما يمكن أن يبدو عليه الاضطلاع بدور ثانوي بالنسبة لحليف من خارج حلف “الناتو”.
وبالطبع، فإن كافة القدرات العسكرية، بما فيها قدرات “الناو” تشوبها عيوب. لكن حلفاء الولايات المتحدة و “الناتو” تعلّموا دروساً باهظة الأثمان من خلال التجربة، وطوّروا استناداً إلى هذا الأساس معايير للتدخل. ويواصلون، في الواقع، “السعي إلى اتقان” قواعد الاشتباك. ونتيجةً لذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تثق بأن حلفاءها في “الناتو” سيحترمون بشكل كبير بعض قواعد الانخراط المعتمدة ويحرصون على تمتعهم بمستوى التدريب المطلوب لتنفيذ مهمة ما، الأمر الذي يحدّ من الأخطاء. فضلاً عن ذلك، يضمن اتخاذ القرارات بالإجماع أن يكون للولايات المتحدة الحق في إبداء رأيها فيما إذا كانت ستخوض حرب ما أم لا وإلى أي حد.

لكن الأمر يختلف في اليمن. فقد ارتكب التحالف بقيادة السعودية أخطاء جسيمة -مقاسة بعدد القتلى- نتيجة قلة الخبرة، ومستويات التدخل المتباينة، والمعلومات الاستخباراتية غير الكافية المتعلقة بالأهداف، واختيار الذخائر غير المناسبة، من بين أسباب أخرى. وتهدد هذه الشوائب بتشويه السمعة الأمريكية، حتى في ظل محاولة الولايات المتحدة الحدّ منها.  
بالإضافة إلى ذلك، لم يتمّ تحذير الضباط العسكريين الأمريكيين في الخليج مسبقاً حول الحرب اليمنية. وخوفاً من أن يكون حلفاؤها غير مستعدين، سارعت الولايات المتحدة إلى توفير المساعدة اللوجستية والدعم الاستخباراتي. ومنذ ذلك الحين، لا تزال الولايات المتحدة غير متأكدة من أهداف الحرب ومترددة في التدخل، لكنها تكره أيضاً فكرة التخلي عن حليف ما. وكانت النتيجة تقديم الولايات المتحدة مساعدة جزئية. وكما وصف مسؤول عسكري أمريكي رفيع المستوى الأمر: “لقد ساعدنا بما يكفي لنكون مسؤولين، ولكن ليس بما يكفي لتحقيق النجاح”.

وتقدّم تحالفات مثل حلف “الناتو” ميزة للولايات المتحدة في اتخاذ القرارات بشأن الاستراتيجية وتصميم الحملات وقواعد الاشتباك والحرب. ويدعم هذا النوع من الأنظمة جميع الأطراف ويحميها من خلال مواءمة قدراتها النسبية وقياس التهديدات بشكل صحيح. غير أن هذا النوع من التحالف أو الاتفاق أو إطار العمل غير موجود في الخليج على الرغم من الجهود المتكررة في هذا الخصوص. وعليه، يتعين على الولايات المتحدة النظر في بدائل. 

أولاً، على الولايات المتحدة إعادة النظر في فك ارتباطها بالشرق الأوسط. فمصالح أمريكية مهمة في المنطقة لا تزال قائمة، وخاصةٍ تلك المرتبطة بالتدفق التجاري الحر. ولا تزال القيادة الأمريكية وأطر العمل الأمنية أساسية، حتى لو لعبت الولايات المتحدة دوراً أكبر في المقعد الخلفي في بعض الأحيان. ففي النهاية، يكون أي راكب مهتماً بالوجهة تماماً كالسائق.    
ثانياً، يجب أن تراعي عمليات وشروط بيع الأسلحة الأمريكية هذا السياق الجديد الذي قد يستخدم بموجبه حلفاء واشنطن الخليجيون الأسلحة لشنّ حرب بدعم الولايات المتحدة أو بدونه. فما إن يتمّ شراؤها، تصبح الأسلحة مملوكة للمشتري، ولكن غالباً ما يفترض ضحايا حملة قصف (أياً كانت) وجود تواطؤ أمريكي من خلال الإشارة إلى علامات الولايات المتحدة على شظايا القذائف بعد حصول هجوم ما. وبالتالي، لا بدّ من تطبيق العناية الواجبة. 

ثالثاً، بدلاً من تحالف أوسع، من شأن إبرام اتفاقات ثنائية حول هذه القضايا بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين أن يكون نقطة انطلاق. ولا بدّ من أن تغطي مثل هذه الاتفاقات عملية صنع القرار بشأن التدخل في حرب ما، وإدارة الحرب، وممارسات التحقيق عند ارتكاب الأخطاء، والمشاركة مع أطراف ثالثة محلية، ولاسيما فيما يتعلق بنقل المعرفة والأسلحة.
نظراً إلى هذا السياق الجديد، على الولايات المتحدة استحداث “معيار جديد” مع حلفائها الخليجيين، بدءاً بضمان أن تكون ميزة كل طرف في عملية صنع القرار متناسبة مع المسؤولية المتصورة لهذا القرار. فضلاً عن ذلك، على الولايات المتحدة أن توضح أنه من مصلحتها القومية دعم الحلفاء ولكن ليس بالضرورة دعم حروبهم. في المقابل، لا بدّ من أن تُطمئن الولايات المتحدة حلفاءها الخليجيين بشأن التزامها بمخاوفهم الأمنية وانخراطها في المنطقة.   

تجدر الملاحظة أن صناع السياسة في الولايات المتحدة يناقشون الآن التوصّل إلى حلول للمعضلات التي تطرحها اليمن. ويقول بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي بأن الولايات المتحدة قد تكون متورطة في الانتهاكات التي ارتكبها التحالف بقيادة السعودية في اليمن، لذلك عليها سحب دعمها له. من جهته، يعتبر البيت الأبيض أن الدعم الأمريكي يساعد على الحدّ من أخطاء التحالف، وبالتالي يساهم في إنقاذ الأرواح. ومن حيث التعريف، إن عبارة “معضلة” تعني عدم وجود حل مثالي؛ وعلى هذا النحو، سيواصل مجتمع السياسة الأمريكية الافتقار إلى خيارات مثلى في اليمن، ولكن على هذا المجتمع نفسه اغتنام الفرصة لوضع سياسات واتفاقات تساهم في تجنّب مثل هذه المعضلات في سياق مستقبلي آخر.    
* زميلة أبحاث في “برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة” “معهد واشنطن”