هل تعيق ذكرى النظام الشمولي في الجنوب آمال الاستقلال؟

كتب/ المرقب السياسي

مستقبل اليمن بين انفصاليي الشمال ووحدويي الجنوب
مستقبل اليمن بين انفصاليي الشمال ووحدويي الجنوب
لا توجد دولة أو حكومة ناجحة على هذه البسيطة إلا وكان أهم أعمدة هذا النجاح هو ثقة المواطن بحكومته والنظام السياسي فيها، اللذان يشكلان مصدر توحيد لفئات المجتمع، وفشل الحكومة أو الدولة هو النقيض لذلك تماماً.

وللأسف فقد غرقت الشرعية في فساد غير مسبوق أفقدها الثقة حتى لدى الحلفاء الإقليميين، ففي الأربعة الأيام الماضية يبدو جلياً خروج صحفيي وسياسيي الخليج إلى العلن، معلنين سقوط الشرعية من حساباتهم، وهذا مؤشر خطير، خصوصاً وأن صحفيين مرموقين في المملكة العربية السعودية انتقدوا للمرة الأولى حزب الإصلاح صراحة، وطالبوا بإبعاده عن حسابات الحرب ومستقبل اليمن.

إن المواطن البسيط، اليوم في هذا البلد، لم يعد لديه أي ثقة بالنظام السياسي، لذلك تفسخ المجتمع إلى مجموعات تجمعها المصالح المطلقة ولم يعد هناك أي نسيج اجتماعي للدولة بمفهومها الحضاري الحديث، وإنما انحدر المجتمع إلى العصبيات.

هناك مجموعتان رئيسيتان في هذا البلد شمالاً وجنوباً.
وداخل هاتين المجموعتين تتفق جميع الفئات حول هدف واحد في الشمال إذا كنت حوثياً أو إصلاحياً أو مؤتمرياً أو مستقلاً، فإن الهدف الجامع هو الحفاظ على الوحدة وعدم إضاعة الجنوب.. وفي الجنوب يتفق الجميع على ضرورة إنهاء الوحدة وتحقيق الاستقلال من الشمال.

وفي كلا المجموعتين، هناك أصوات تدعو للعكس، ولكنها لا تتعدى حاجز 2 %.

في الشمال تفتت المجتمع بشكل غير مسبوق، حتى أصبحت القبيلة ضعيفة بعد أن كانت عنصراً جامعاً ومصدر قوة للأفراد ضد الدولة في كثير من الأحيان، حتى أصبح من المألوف أن نشاهد أفراد عائلة واحدة ينتمون جميعهم إلى تيارات متصارعة ومتناقضة.. لكن القوى السياسية في الشمال ترى في الجنوب مصدر دخل فقط ولا ترى الإنسان في الجنوب الذي دخل في تلك الوحدة معهم عام 1990م.. وترى كل الحديث ينصب من ساسة الشمال نحو المصادر والثروات وحقوق الشمال فيها، وينحرف عن حقوق الجنوبيين تماماً.

في الجنوب لا يزال إعادة إنتاج النظام الشمولي السابق مصدر (إرهاب) حقيقي للكثيرين، حتى أصاب البعض بالشلل من التقدم نحو مستقبل أفضل، بل إن بعضهم يحاول الحفاظ على ما هو موجود الآن.. ومما يعزز هذا الفكر أن رموز النظام الشمولي لايزالون متغلغلين في التشكيلات السياسية الجديدة ويحاولون الوصول إلى حكم الجنوب القادم.

وهناك مسؤولون جنوبيون في الشرعية لديهم مخاوف حقيقية من الاستقلال وما بعده.. فهل سيتم ملاحقتهم وقتلهم كما فعل النظام الشمولي قبل نحو خمسين عاماً، أم سيتمكنون من العودة إلى ديارهم سالمين آمنين على أرواحهم وممتلكاتهم؟.

على القوى السياسية الجنوبية اليوم مسؤولية كبيرة في الخروج صراحة للإعلان عن مشروع الدولة الجنوبية القادمة.. وأن هذه الدولة القادمة لن تشكل تهديداً لدول الجيران بل العكس من ذلك، والأهم أن الدولة القادمة ستشكل قطيعة مع النظام الشمولي السابق ولن تعود أي من أشكاله المريعة في المستقبل، سواء لجهة حفظ الحقوق والحريات في المجتمع أو المساس بالحريات السياسية، وهو أخطر ما يطلبه الجنوبيون اليوم، ويجب ضمان حصولهم عليه.

ولا يمكن في جميع الأحوال التعويل على أي جهة خارجية لفرض حقوق للمواطنين، بل يجب على العامة، وخاصة منهم في الداخل على الأرض، الإعلان عن مطالبهم هذه. ومصارحة الجنوبيين لبعضهم البعض هي ضرورة قصوى اليوم ليخطو في طريقهم نحو المستقبل بخطى ثابتة وواضحة لا لبس فيها، وألا يسمحوا لأي كان بسرقة مستقبلهم منهم بعد أن سرقت الخمسون عاماً الماضية من حياتهم.​