ستة تطورات مهمة تؤثر وتتأثر بأمن الخليج واليمن

محمد مجاهد الزيات

شهدت منطقة الخليج عددًا من التطورات المهمة خلال الأيام الأخيرة. بعض هذه التطورات له صلة مباشرة بالأزمة الإيرانية-الأمريكية، وبعضها الآخر لا يرتبط مباشرة بهذه الأزمة. وهذه التطورات تحمل دلالات مهمة، سواء فيما يتعلق بالمسار المحتمل للأزمة خلال الفترة القليلة المقبلة، أو فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية-الخليجية بشكل عام.

ستة تطورات مهمة
1 - إعلان الولايات المتحدة الأمريكية موافقتها على قوة عسكرية في السعودية في إطار اتفاق الدفاع العسكري المشترك قوامها 500 عنصر، وأكدت مصادر أمريكية أن هذه القوة تضم خبراء في الدفاع الجوي، وأطقم صواريخ باتريوت، وإدارة منظومة طائرات دون طيار. وتُعتبر هذه أول مرة منذ حرب الخليج الثانية يتم فيها نشر قوات أمريكية في السعودية.
2 - وصول الحضور العسكري الأمريكي والغربي في الخليج في الفترة الأخيرة إلى درجةٍ تكفي لمواجهة إيران، فضلًا عن الحضور الثابت لكلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. وبالتالي فإن نشر القوة الأمريكية الجديدة يمكن فهمه في إطار دعم القدرات الدفاعية للسعودية بالدرجة الأولى.

3 - قرار الرئيس الأمريكي بإمداد السعودية بمنظومة "ثاد" الأكثر تطورًا (منظومة تجمع بين مزايا منظومة الدفاع Exo-atmospheric Aegis لاعتراض الصواريخ خارج الغلاف الجوي وبطاريات صواريخ Patriot الاعتراضية داخل الغلاف الجوي. كما تتمتع المنظومة بالقدرة على التنقل من موقع لآخر، والفاعلية في اعتراض الصواريخ الباليستية داخل أو خارج الغلاف الجوي خلال المرحلة النهائية من الرحلة)، وذلك رغم رفض مجلس النواب الأمريكي لذلك، وهو ما يكشف عن طبيعة الاستراتيجية الأمريكية في الخليج، ويزيد من حدة التوتر في المنطقة.

4 - انسحاب القوات الإماراتية من اليمن، وهو أمر يثير الكثير من التساؤلات حول مسار الأزمة اليمنية ومبررات قرار الإمارات في هذا التوقيت.

5 - سعي الولايات المتحدة لصياغة تحالف دولي لضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز تشارك فيه نحو 60 دولة لمواجهة أية ممارسات عدائية من جانب إيران، ودفع المجتمع الدولي لأن يتكفل بالمواجهة مع إيران على هذا المستوى، خاصة أن الممارسات الإيرانية مؤخرًا، ولا سيما احتجاز ناقلتي البترول، قد أثّر سلبًا على مواقف الدول الأوروبية التي كانت تتحرك للبحث عن فرصة للوساطة أو تهدئة للأزمة، ما دفع إلى تماسك الموقف الأوروبي وتقاربه بصورة كبيرة مع الموقف الأمريكي.

6 - تعرّض معسكر "الشهداء" (وهو معسكر رئيسي تابع لحزب الله العراقي، أحد أبرز فصائل الحشد الشعبي، الذي يرتبط عضويًّا بالحرس الثوري الإيراني) لهجوم فجر الجمعة 19 يوليو، ليكشف عن تطورات الاستراتيجية الإيرانية في العراق في إطار التصعيد مع الولايات المتحدة. ويكشف هذا الهجوم عن تحسب الولايات المتحدة لتحركات الأذرع الإيرانية، وأنها لن تتحفّظ على استهداف مواقع عراقية بهذا الخصوص.

ماذا يعني ذلك؟
هذه التطورات الستة التي شهدتها المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية تطرح عددًا من الدلالات الهامة، منها على سبيل المثال:
1 - التأكيد بوضوح على أن معادلة أمن دول الخليج ترتكز وتعتمد بالأساس على الولايات المتحدة، وهناك حرص على تأكيد هذا الأمر في الغرف المغلقة، وإن كانت دول خليجية أصبحت تُصرّح به علنًا في الفترة الأخيرة.

2 - سيتركز الحضور الأمريكي الأكثر انخراطًا في السعودية على دعم موقف الرياض الدفاعي لمواجهة الخطر الحوثي القادم من اليمن.

3 - تنامي هامش التصعيد الإيراني بصورة أكثر حدة، بما يحتمل معه وقوع تصادم بين أطراف الأزمة بما ينعكس على حالة الاستقرار في الخليج، والمنطقة العربية بصفة عامة. وتشير مجمل هذه التطورات، بالإضافة إلى الممارسات الإيرانية، خاصة ما يتعلق بناقلات النفط في الخليج، إلى أن الأزمة الإيرانية ستدخل مرحلة أكثر توترًا في الفترة القادمة، وتزيد من احتمالات مواقف غير محسوبة.

4 - أن الخطوة الأمريكية (نشر قوات ومعدات) لا تُضيف كثيرًا للحرب مع إيران إذا جرت؛ فهناك حضور عسكري كبير داخل الأراضي الخليجية على اتساعها، كما أن الحشد العسكري الأمريكي والغربي وصل إلى درجة جاهزية عالية وبقدرات استراتيجية تتجاوز حرب دولة مثل إيران، فضلًا عن أن هذا الحضور العسكري يتم بالتنسيق مع إسرائيل التي تجعل من تدمير القدرات العسكرية الإيرانية هدفًا لها، وتواصل محاصرة الحضور العسكري في سوريا بصورة كبيرة رغم التأكيد الأمريكي على أن الانتشار العسكري الجديد في السعودية يستهدف التأكيد على مدى التزامها بتأمين السعودية ومحاولة تطويع الموقف الإيراني، لكن من الواضح أنه يستهدف بدرجة أساسية الحصول على المزيد من الموارد المالية من دول الخليج، وهو هدف الرئيس "ترامب" منذ وصوله إلى الحكم.

وبصفة عامة، فإن هذه التطورات تؤكد تغيرًا واضحًا في معادلة الأمن في الخليج، وتبتعد به عن إطار الأمن القومي العربي. كما أن تزايد الاعتماد على التأمين الأمريكي والغربي في أمن الدول الخليجية يؤكد استمرار الأزمة الإيرانية، ويفتح مجالًا لمزيدٍ من الحضور الأمريكي والغربي؛ الأمر الذي سوف يؤثر سلبيًّا على التعاون العربي الجماعي في مجال الأمن المشترك.

ومن الملاحظ أيضًا أن هناك غيابًا لدور الجامعة العربية في تلك التطورات، وعدم تبلور مواقف عربية -جماعية أو منفردة- تساهم في دعم الموقف العربي، أو تقدم دعمًا واضحًا في موقف الخليج.
إن تجنب التصعيد أو التهدئة سوف يكون أمرًا صعبًا في ظل تلك التطورات، وذلك لإصرار الطرفين على عدم التراجع، ورفض إيران للتفاوض حول البرنامج النووي قبل حصولها على مكاسب أو اطمئنانها للموقف الأمريكي، أو تأجيل بعيد المدى لبرنامجها النووي، وعدم الثقة في الإدارة الأمريكية الحالية.

أخيرًا، يمكن أن نخلُص إلى ما يلي:
1 - لا تزال الأزمة في مرحلة اللا سلم واللا حرب، لكن مع درجةٍ عالية من المخاطر.
2 - أن الانخراط الأمريكي لن يُساهم في حل الأزمة اليمنية، لأن التحالف قد فشل على المستوى العسكري في تحقيق أهداف عسكرية ضد الحوثيين الذين لا يزالون يتمركزون في شمال البلاد. ومن المستبعد أن تشارك الولايات المتحدة في هذه العمليات.
"المركز المصري للدراسات والفكر"

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى