الخيارات السعودية بعد إعادة الانتشار الإماراتي

صلاح السقلدي

صلاح السقلدي
صلاح السقلدي
ترى القوى والشخصيات اليمنية -شمالية وجنوبية- التي تستميت بإطالة أمدّ الحرب بهذا البلد المنكوب لحسابات سياسية وحزبية ولمكاسب شخصية نفعية بالتوتر المتصاعد في منطقة الخليج، وباندلاع حرب إقليمية متوقعة بالمنطقة.. فرصة لإطالة الحرب باليمن إلى ما لانهاية، ومناسبة مهمة بالنسبة لها لتسخين الوضع باليمن أكثر مما هو ساخن، كون أية حرب إقليمية -وفق حسابات هذه القوى- ستلقي بظلالها القاتمة على اليمن وستبدد الجهود الأممية الساعية لوقفها، ولإتاحة الفرصة لعملية التسوية السياسية والتي ترى هذه القوى في هذه الجهود الأممية تهديدا حقيقيا لمصالحها ولمنافعها الذاتية، وهي القوى التي تثري وتكدّس أرصدتها المالية في بنوك الخليج وأوروبا على أشلاء الضحايا وعلى حساب مستقبل اليمن شماله وجنوبه منذ اليوم الأول للحرب.

وهذا السيناريو المُــظلم الذي تبني عليه هذه القوى حساباتها فيه شيء من الصحة وسيتحقق منه شيء لا بأس به للأسف -هكذا تحدثنا الوقائع على الأرض- ولكن بالمقابل فيه الشيء الأكثر من الحسابات الخاطئة المخيبة لآمال هؤلاء.

فهذه الحرب الإقليمية المتوقعة فعلاً ستلقي بظلالها القاتمة على الوضع اليمني القاتم أصلاً، وستضاعف من شدة تدهور الوضع الإنساني وتزيد من تردي الحال على كل الصُـــعد بما فيها الاقتصادي والإنساني والسياسي، فضلا عن الأمني، مما ستفتح أمام هذه القوى مسارب مالية جديدة للنهب والفساد والإثراء غير المشروع، وستكون المعونات الخارجية فريسة بيدها حين تضمحل الأجهزة الرقابية أكثر مما هي مضمحلة، ولكنها، أي الحرب الإقليمية، بالمقابل ستصرف جزءاً كبيرا من نظر واهتمام السعودية والإمارات عسكرياً واقتصاديا ومالياً باليمن، لحساب أمنها بالخليج في مواجهة الرد الإيراني، الذي من المتوقع أن يكون عنيفا وعاصفا بوجه البنية التحتية الخليجية.

وهذا الانصراف الخليجي العسكري سيعني بالضرورة لهذه القوى اليمنية وللخلجيين أمرين على الأقل: أولا: أن الغطاء السياسي والأمني الخليجي الذي تحتمي به هذه القوى الأنانية الفاسدة سينقشع جزءا كبيرا منه وربما كله، وستكون بمواجهة مباشرة مع الضحايا وجها لوجه دون مظلة حماية خليجية. ثانياً: خفوت وتيرة الحرب باليمن إلى أقصى مدى، وهو الأمر الذي سيكون مخيبا لآمال القوى اليمنية التي تسعى دوما إلى تأزيم الأوضاع الداخلية مع التحالف "السعودية والإمارات" وتطيل أمد الحرب وتعمل جاهدة على كبح أية جهود داخلية وإقليمية وأممية لوقفها، وقد تضطر أية حرب إقليمية، إن نشبت وطالت مدتها، السعودية إلى وقف الحرب باليمن أو الخروج منها خِــلسة وتدريجاً، خصوصا وأن الرياض قد بدأت بالفعل تفكر جديا بنهايتها في الأيام الماضية تحت غطاء إفساح المجال للتسوية السياسية بعد أن وجدتْ نفسها وحيدة على الأرض باليمن لاسيما في الشمال بعد الانسحاب الإماراتي المفاجِــئ من هناك.. فقد شاهدنا بالأيام الماضية انسحاباً عسكريا إماراتيا من شمال البلاد، لدواعٍ أمنية على خلفية الصراع بالخليج، بحسب المصادر الإماراتية نفسها، وهو الأمر الذي أحدث إرباكا ليس فقط لهذه القوى "تجار الحروب" بل وللسعودية ذاتها الشريك الرئيس للإمارات بهذه الحرب.

لا نقول إن أية حرب إقليمية ستوقف الحرب باليمن نهائياً وستقوض التدخل الخليجي فيها تماماً، خصوصاً وأن الجزء الأكبر من قرار وقف هذه الحرب منذ إعلانها من واشنطن مطلع عام 2015م بيد واشنطن وبيد صقور البيت الأبيض بالتحديد -وليس قرارا خليجيا محضا، فضلاً عن أن يكون قرارا يمنياً- بعد أن وجدتْ إدارة ترامب بهذه الحرب سوقا مزدهرة لسلاحها الضخم، ولكنها، أي الحرب الإقليمية، بالتأكيد ستجعل التحالف يدير فوهة اهتمامه بشكل كبير ولافت لمجابهة التحديات الكبيرة التي ستكون على عتبات داره بمواجهة إيران وستكون الحرب شديدة الخطورة والضرر والكُــلفة عليها، أي على السعودية، على الأقل قياسا بالخطر والكُــلفة التي يقول التحالف إنه يتهدده ويـخسره من/ وبــ اليمن، ولن تقوى خزائنهم المنهكة على الضخ المالي بأكثر من جبهة ولأكثر من جهة، في وقت تعرفان فيه جيدا أن الولايات المتحدة ورئيسها الجشع "دونالد ترامب" عينه جاحظتان بقوة على خزائن مال هذه الممالك الثرية التي عليها أن تدفع أكثر وأكثر نظير بند الحماية الأمريكية لعروشها -وفقا للمنطق الترامبي- وهذا بالتالي سيدخل الخزانة المالية السعودية في أزمة حقيقية وسيترتب عليها تداعيات لا حصر لها، قد يكون من أبرزها وقف الحرب باليمن، أو على أقلها فرملة وتيرتها وإبهات وهجها في حال أصرّ ترامب على استمرارها، مع أنه يتعرض لضغوطات حقيقية من الكونجرس لوقف المشاركة العسكرية الأمريكية بها، في وقت يدلف الرجُــل نحو الحملة الانتخابية الرئاسية.

وهذه التحولات الأمريكية الداخلية عامل إضافي لوقف الحرب باليمن أو خفوتها بصرف النظر عن أي صراع إقليمي محتمل، وسيعني هذا أن القوى اليمنية المتاجرة بهذه الحرب في مهب الريح أو توشك أن تكون كذلك.. كما أن هذا سيعني بالتأكيد أن السعودية قد أخفقت بهذه الحرب، أو بالأحرى بتحقيق الأهداف المعلنة وهي إعادة السلطة اليمنية الموالية لها إلى سدة الحكم وإبادة الحركة الحوثية "أنصار الله"، كون السعودية ومعها الإمارات قد حققتا مكاسب طائلة لهما من هذه الحرب على حساب اليمن طاولت الثروات والسيادة والجغرافيا والممرات والموانئ والجُــزر والإرث الحضاري وغيرها وغيرها، وأعادت اليمن -شمالا وجنوبا- القهقري إلى عصور التخلف والفقر والضياع والعصبيات والطائفية، وهذا الأخير بحد ذاته ظل هدفا استراتيجيا سعوديا، لطالما تاقتْ المملكة السعودية -بنسخها الممالك الثلاث- لتحقيقه.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى