رحيل صاحب «عالم بلا حدود» في منفى الاغتراب القسري

محمد عبدالله مخشف

بصمت وهدوء ، رحل في منفى الاغتراب القسري عن الدنيا إلى دار الخلود ، الصحافي الأشهر والكاتب الجهبذ الأستاذ فاروق لقمان ، بعد رحلة طويلة بالعطاء السخي والإثراء اللامحدود لمهنة الصحافة باللغتين العربية والانجليزية سواء في عدن أو الجزيرة العربية والخليج امتدت لأكثر من 60 عاماً .

 وينحدر الأستاذ فاروق لقمان من سلالة عائلة مجيدة كرست نفسها للعلم والمعرفة ، فوالده الأستاذ الجليل محمد علي لقمان ، يعد أول خريج عربي في القانون واول محام يترافع أمام القضاء  الذي كان يتولاه بريطانيون أو هنود ، ثم أسس أول صحيفة عربية تصدر في عدن في بداية عام 1940 ، ثم بعدها بسنوات أسس أول صحيفة باللغة الانجليزية في عدن هي " إيدن كروينكل "  " Aden Chronicle ".

 ومن الأب الجليل تناسلت أجيال من البنين والبنات كان أولهم أول خريج صحافة في عدن ومنطقة الجزيرة والخليج ، هو الصحافي العملاق والسياسي المحنك والشاعر الفذ الأستاذ علي محمد لقمان .. وتفرعت شجرة الأسرة إلى بلوغ أفرادها أعلى مراتب التعليم فمنهم خرج الطبيب والمهندس والقيادي في الإدارة والتربوي والمصرفي .

 وكان لي الشرف والاعتزاز أن تعرفت على الأستاذ فاروق لقمان في وقت مبكر من عمري عام 1962 ، عندما بدأت خطواتي الأولى في مهنة الصحافة في رحاب صحيفة " فتاة الجزيرة " ، التي تلقيت وتعلمت فيها أبجديات العمل الصحفي على أيدي رواد وكبار الصحافيين منهم الأستاذ لقمان الأب والأستاذ فاروق الابن ، المشرف العام والأستاذ محمد أحمد بركات ، مدير التحرير والأستاذ عبده حسين أحمد ، المحرر الأول في الصحيفة .

 وكان الأستاذ فاروق ، السند الأكبر لوالده في إصدار الصحيفة " إيدن كروينكل "  باللغة الانجليزية حال عودته إلى عدن من الخارج مطلع الستينيات بعد تخرجه ونيله درجة الماجستير في الصحافة من كولومبيا .

 ويعد الأستاذ فاروق لقمان أحد قلائل من الصحافيين العرب ، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الصحافة ، كما أشتهر بكتابة عمود يومي أطلق عليه اسم " عالم بلا حدود " ، الذي يعد أول عمود صحافي في الصحافة العربية ، أسماه الأستاذ الصحفي المصري مصطفى أمين " العمود المعرفي " لما يتناول من معلومات ومعارف عن أي شأن من شؤون الحياة في شتى المجالات أو يلخص كتاباً من 500 إلى 700  صفحة ، في 400 – 500 كلمة ، تغني القارئ عن قراءة هذا الكتاب أو ذاك والذي قد يكون عن مذكرات زعيم سياسي أو دواء أو اختراع جديد أو أي شيء آخر .

 وكان الأستاذ فاروق لقمان فاتحة خير للأخوين هشام ومحمد علي حافظ ، حال وصوله إلى مدينة جدة بالسعودية منفياً قسرياً قادماً من عدن ، بعد أن أغلقت أمامه أبواب العمل الصحفي الشريف ومنع إصدار صحف دار " فتاة الجزيرة " العربية والانجليزية وغيرها من الصحف المحلية ، التي كانت تصدر في عدن في عهد الإدارة البريطانية .

 وفي منفاه القسري ، فتحت له الأبواب واسعة للاستفادة من خبرته وقدراته الصحافية والمهنية .. وكأن القدر شاء لأولاد حافظ أن يصل إليهم فاروق في عام 1974 ، لتنفتح أمامهم أبواب المجد الصحفي عندما استعانوا به لإصدار أول صحيفة يومية باللغة الانجليزية في السعودية هي صحيفة " عرب نيوز " التي أسسها الأستاذ فاروق لقمان وتولى فيها رئاسة التحرير .

 ولم تمر سنوات قلائل لم تتعدى الثلاث ، حتى توالت الإصدارات الصحافية لأولاد حافظ ، التي بدأت بإصدار أول صحيفة عربية من لندن وتطبع في عدة عواصم عربية وأجنبية ، وتوزع في جميع أنحاء العالم وهي صحيفة " الشرق الأوسط " .

ثم كرت السبحة ، مع تأسيس وإنشاء أكبر دار نشر عربية وهي الشركة السعودية للأبحاث والنشر ، التي توالد منها عدة صحف ومجلات من بينها مجلة " المجلة " ومجلة " سيدتي " ومجلة " الرجل " ، إضافة إلى صحيفة " الاقتصادية " ، التي تعد أول جريدة يومية عربية متخصصة بالشؤون الاقتصادية .    

وكان من حسن طالعي أن رشحني الأستاذ فاروق لقمان للعمل في " الاقتصادية " ، كمراسل لها في عدن عند بداية صدورها في مطلع عام 1993 .. كما كان لفاروق الفضل في إتاحة المجال لي للتعاطي مع نوع جديد من العمل الصحفي ، وهو الشأن الاقتصادي الذي يعتمد على المعلومات والأرقام والبيانات الإحصائية .

 وعند بداية صدور " الاقتصادية " ، تولى الأستاذ فاروق الإشراف العام على إصدارها بحكم خبرته وسعة معارفه الصحافية .

وكانت أخر مساهمات الأستاذ فاروق لقمان في أعمال الشركة السعودية للأبحاث والنشر ، تأسيس وإدارة معهد مهني للتدريب على العمل الصحفي وتفرعاته يتم فيه التدريب والتطبيق على فنون العمل الصحفي للشباب الصحفيين قبل التحاقهم بالعمل في صحف ومجلات الشركة .

وفي هذا المقام ، ليس لي الإ أن أنحني إجلالاً وعرفاناً بجميل الراحل الكبير ، الذي خسرت برحيله زميلاً وأخاً وصديقاً كان له الأخذ بيدي في خطواتي الأولى في عالم الصحافة منذ نعومة أظافري ، ثم التحاقي لمدة 15 عاماً بأول صحيفة عربية دولية تعنى بشؤون الاقتصاد .

وفي الأخير أعزي  السيدة الفاضلة حرم الأستاذ فاروق وأبنائه وبناته وأختيه وشقيقه الأصغر ماهر ، واعزي نفسي لخسارتي شخصياً برحيله الأليم .  

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى