​"الكارثة التي خشيناها جميعاً قد حلَّت": أوضاع علاج كوفيد- 19 (كورونا) في عدن

بقلم:د. غزالي محمد بابكر, نائب رئيس بعثة اطباء بلا حدود في اليمن

شاهدنا نحن في أطباء بلا حدود الكثير من الأمور أثناء عملنا في عدن: فقد حافظنا على مستشفانا مفتوحاً أثناء أصعب ظروف القتال في عام 2015، واعتدنا على استقبال مئات الجرحى في غضون بضع ساعات، كما حصل في أغسطس الماضي. لكن هناك شيء محزن بشكل خاص حيال تفشي فيروس كورونا في المدينة: إذ أن الكارثة التي خشيناها جميعاً قد حلَّت.

ندير المركز الوحيد في عدن لعلاج كوفيد-19 في مستشفى الأمل، حيث لدينا فريق من الكوادر اليمنية والدولية يعملون على مدار الساعة لتقديم أفضل مستوى ممكن من الرعاية. وكما في جميع الدول المتضررة من هذا الفيروس، فإننا نشهد مدى شراسة هذا الوباء.

بين 30 أبريل و 17 مايو استقبلنا 173 مريضاً، توفي منهم 68 على الأقل. وهذا معدل وفيات مرتفع للغاية، لكن يمكن مقارنته بما شاهدنا في أوروبا والولايات المتحدة: أظهرت الدراسات أن نحو نصف المرضى الذين أُدخلوا إلى وحدات العناية المركزة المصابين بكوفيد-19 يموتون. هذا الوباء مروع وفتاك.

في عدن يأتي المرضى إلى المستشفى متأخرين. وإذا وصلوا ولديهم مسبقاً صعوبات حادة في التنفس تزداد صعوبة إنقاذهم. ويعتبر البقاء في البيت في حال كانت الأعراض متوسطة هو الصواب، لكن إذا بدأ الشخص يشعر بصعوبة في التنفس يصبح من الضروري حقاً الذهاب إلى المستشفى. ويشق على موظفينا رؤية المرضى وهم يصلون ويبذلون جهداً لسحب النفس كسمكة خارج الماء، ومعرفة أنه قد فات الأوان على إنقاذهم مهما حاولوا.

نعرف أيضاً أن الكثير من الناس يموتون في بيوتهم: إحصاءات الدفن في المدينة تظهر أن نحو 80 حالة دفن يومياً وقعت في الأسبوع الأخير، بينما كانت تبلغ 10 حالات في الأوقات العادية. يبين لنا هذا أننا في المركز لا نرى سوى قمة جبل الجليد من حيث عدد المصابين وعدد المتوفين من الفيروس في المدينة.

نرى كذلك أن أفراد الطاقم الطبي من المدينة يمرضون وهو مؤشر آخر ينبئنا عن مدى انتشار الفيروس.

وبينما يصح القول أن هناك أمراض أخرى متوطنة في عدن، فإننا متأكدون أن ما نراه هو كوفيد-19، حتى لو لم تتوفر للسلطات القدرة على فحص الجميع وتأكيد ذلك. فحمّى الضنك والملاريا وحمّى شيكونغونيا جميعها أمراض قد تودي بحياة المريض لكنها لا تفتك بمثل ذلك العدد الذي نشهده في فترة قصيرة.

لذلك فمن الأهمية بمكان للناس في عدن أخذ هذا المرض على محمل الجد. يصعب أحياناً في حالة فيروس خفي أن يشعر المرء بأن الأزمة حقيقية. فهو أمر مختلف عن الحرب التي نسمع فيها جميعاً أصوات الرصاص وانفجار القنابل. إلا أن هذه الأزمة حقيقية ونرى آثارها كل يوم في مستشفانا حيث يصارع الناس للبقاء على قيد الحياة ويفارقها الكثيرون منهم.

لذلك ينبغي على كل واحد أن يؤدي دوره في الحد من انتشار هذا الفيروس. علينا أن نتفادى الخروج من بيوتنا قدر المستطاع، وإذا لم يكن بد من ذلك فيجب أن نحافظ على مسافة لا تقل عن متر بيننا وبين الآخرين عند خروجنا وأن نتجنب الملامسة. وإذا كان عندك حرارة أو سعال فيجب أن تبقى في البيت تفادياً لنشرها لأشخاص آخرين. معظم حالات كوفيد-19 تكون معتدلة لكن إذا بدأتَ تشعر بصعوبة في التنفس عليك أن تطلب المساعدة الطبية.

لم يكن من السهل افتتاح مركز العلاج في مستشفى الأمل. فجميع من في العالم مازالوا يتعلمون كيفية التعامل مع هذا الفيروس لكن دولاً كإيطاليا وفرنسا عندها أفضلية وجود نظام صحي جيد. أما في اليمن فقد تركت سنوات الحرب نظام الرعاية الصحية مدمراً. لقد بذل الفريق جهوداً كبيرة منذ توليه إدارة المركز في بداية شهر مايو، لكن فخرهم بذلك الإنجاز مشوبٌ بالحزن على ما نراه.

نقوم بما في وسعنا لمساعدة عدن في هذه الأيام الصعبة لكننا لا نستطيع الاستجابة بمفردنا. على الأمم المتحدة وغيرها من الدول المانحة أن يفعلوا المزيد لمساعدة عدن وباقي أنحاء اليمن. يحتاج البلد إلى المال لدفع أجور عمال الصحة، ويحتاج عمال الرعاية الصحية إلى المزيد من معدات الوقاية الشخصية ليبقوا في أمان، ويحتاج المرضى المزيد من مكثفات الأوكسجين لتساعدهم على التنفس. على العالم ألا يترك عدن وباقي اليمن وحيدين بمواجهة هذه الأزمة.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى