تاريخ ندوة جعار الموسيقية

وسيم صالح

مرت الندوة الموسيقية في جعار بمراحل منذ تأسيسها على يد الفنان الكبير الأستاذ سالم البوك وأخوه محمد البوك وبعض المواهب من أبناء المنطقة، وكانت تحمل اسم فرقة أولاد البوك الفنية.
واستطاعت هذه الفرقة أن تثبت نفسها في فترة وجيزة لما تميزت به من قدرات فنية، وحملت اسم فرقة أولاد البوك الموسيقية فيما بعد اسم ندوة يافع بني قاصد، ثم ندوة الريف الموسيقية.

فكيف تطورت هذه الفرقة حتى وصلت إلى الاهتمام بها والاعتراف من قبل السلطات في تلك الفترة.

فرقة أولاد البوك 1958م - 1962م
مؤسس الفرقة الأستاذ سالم أحمد البوك من مواليد منطقة المسيمير بأبين 1943م ابتدأ الفن منذ دخوله المدرسة 1950م في مدينة جعار، وبعد عدة سنوات عام 1956م توظف وهو صغير السن كاتباً في محكمة جعار، لكنه كان يشعر أن موهبته الفنية كانت أقوى من الوظيفة، وكان الناس في تلك المرحلة تكاد لا ترى فناناً يغني أو يعزف بالعود وتستمع للغناء من خلال الأسطوانات.

كان لسالم البوك صديق يدعى أحمد عباد بن رشة وهو من أبناء لحج. وكان هو الآخر محباً للفن ويقول البوك: توافقت أفكارنا فاشترينا عوداً بـ 80 شلناً ودفاً بـ 5 شلنات وإيقاعاً بـ 10 شلنات. وبدأنا نتعلم العزف، ثم قمت بتجميع الشباب الهاوين لتأسيس أول فرقة موسيقية في جعار.
وتتوالى الأحداث وصولاً إلى المرحلة الثانية من التأسيس والاهتمام من قبل السلطنة وإطلاق اسم جديد على الفرقة الفنية في جعار، وبعد أن ذاع صيت الفرقة بين المواطنين قام السلطان محمد بن عيدروس العفيفي بتبني الفرقة ودعمها.

بدأ نشاط الفرقة، وتألقها يلمع ونجمها يسطع في الأفراح والمناسبات، ونشر السعادة والحب بين أوساط المجتمع بالأغاني الحديثة بأصوات واعدة تداعب آذان المستمع فيتراقص لها طرباً.
عرف نائب السلطان الشيخ حيدرة منصور بظهور فرقة فنية في جعار فقام باستدعاء رئيس ومؤسس الفرقة الأستاذ سالم البوك فقابله في مكتبه ورحب بالفكرة أيما ترحيب، واستدعى ابنه الأستاذ منصور حيدرة الذي تلقى دراسته في مصر فأوكل إليه مهام الاهتمام بالفرقة وتوفير كل ما يلزم لها.

وكان الهدف أن يسود الفن والثقافة بين أوساط المجتمع، ومن ثم تم الاتفاق على تشكيل الفرقة الحديثة تحت اسم ندوة يافع بني قاصد الفنية، ورئيسها الأستاذ منصور حيدرة.

ندوة يافع بني قاصد الفنية 1962 - 1967م
بدأت الفرقة في هذه المرحلة تعمل بتنظيم أكثر ولوائح وأرشيف وجدول للفعاليات، لكن كانت أيضاً بعض الصعوبات تواجه الفرقة من حيث نقص العازفين لبعض الآلات الموسيقية مثل الكمان.
فانظم إلى الفرقة الفنان السيد علي إبراهيم الحبشي، وكان موظفاً في المالية ويجيد العزف على الكمان والعود، وهنا برزت الفرقة بكل ما هو رائع وجديد، واستفادت الفرقة من هذا المبدع.

وبعد فتره وجيزة انتقلت الفرقة إلى مقرها الجديد، وابتدأت الفرقة تتميز بطابع خاص بها، وذاع صيتها في المحافظة وخارجها.
وأقيم اجتماع للفرقة برئاسة منصور حيدرة، وقال: يجب أن تقيم الفرقة حفلاً، وفعلاً أقيم حفل في مسرح البلدية بجعار، وكان حفلاً مميزاً من حيث التنظيم والإبداع، وقام الأستاذ سالم البوك بتقديم مفاجأة وهي الموهبة الواعدة سعيدة عبد الحبيب أول فنانة في أبين تغني مع فرقة موسيقية، فكان حفلاً لن ينساه أبناء جعار أبداً.

وبعد فترة وجيزة تم انتخاب الأستاذ الشاعر عبدالله أبوبكر التوي رئيساً للندوة، واستمرت الفرقة بالعطاء والإبداع، وانظم إليها بعض المبدعين لأنها كانت تحظى بالدعم الجماهيري الكبير آنذاك، وبسبب الموهبة التي يمتلكها أعضاء الفرقة نجد أن بعض العازفين بدأوا بتطور مهاراتهم وتمكنوا من إجادة العزف على مختلف الآلات، واستمرت الفرقة حتى عام 1965.

وبدأت المشاكل واشتداد المواجهات بين الثوار والمستعمر البريطاني، وتم منع الأغاني الوطنية والحماسية، وبدأت الانفجارات في جعار، ويمضي الأستاذ سالم البوك قائلاً: وبرغم كل ما يحصل كنا نعمل البروفات لدعم الثورة بشكل سري، فكنت اجتمع مع السيد أحمد عمر إسكندر والأستاذ إبراهيم الحبشي، ونؤدي بروفات بالعود فقط بكل سرية وهدوء.

وأضاف: لقد شاركنا في أحد الاحتفالات بمدينة أحور في 2 فبراير 1967م، وحضر الحفل سلطان أحور فجاء إلينا مندوب السلطان، وطلب منا أن نغني بعضاً من الأغاني الوطنية أو الحماسية، فقلنا له نحن محضرون أغاني سماعية وعاطفية، ولم نحضر أي من الأغاني الوطنية خوفاً منا أن يكون هناك مقلب، فجاء ابن السلطان فطمأننا، وقال: أنا مستعد أن أحضر إلى جعار وأخرجكم إن تم احتجازكم، لكن الفرقة رفضت نظراً لما تمر به البلاد. فغنيت من ألحاني أغنية ردفان وهي من كلمات عقيل الصعيدي، فبدأ الجمهور بالتشجيع وإطلاق بعض الأعيرة النارية متفاعلاً مع الأغنية فانتهى الحفل، وبمجرد وصول الفرقة إلى جعار وصل خبر يفيد بأن الفنان سالم البوك غنى أغنية وطنية فتحركت قوة في الليل، وكسرت باب مقر الندوة، وتم حبس حارس المقر وإرسال بعض الجنود للبحث عني وحضرت إلى قسم الشرطة، وتم التحقيق معي وأول سؤال: هل غنيت أغنية وطنية؟ فقلت: نعم، لكن سلطان أحور هو من طلب مني هذا، فتم سجني حتى تاريخ 15 أغسطس 1967م.

وتابع: "تم فصلي من وظيفتي رغم علاقتي بالسلطان محمود القوية وأخوه الأمير فيصل، إلا أن التهم الموجهة كانت تنص على أنني أحرض الجماهير بالأغنية وأوزع منشورات".

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى