> «الأيام» غرفة الأخبار:

تعاني مناطق حكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليا أزمة في سعر صرف العملات الأجنبية بالتزامن مع استمرار جماعة الحوثي بطباعة أوراق نقدية دون غطاء اقتصادي، ما أسهم في زعزعة السوق النقدية وفرض تداعيات مباشرة على الاستقرار المالي والمعيشي في البلاد. ووفقًا لمصادر مصرفية وخبراء اقتصاديين، فإن هذه الممارسات تُعد أداة حرب اقتصادية تعزز الانقسام المالي وتضغط على مناطق الشرعية عبر آليات غير مباشرة لكنها فعّالة ومتصاعدة.

في خضم الحرب الممتدة منذ نحو عقد، لجأت جماعة الحوثي إلى طباعة عملات نقدية جديدة خارج الإطار القانوني للدولة، وبدون غطاء نقدي أو احتياطي أجنبي يوازي الكتلة المطبوعة. ورغم تحذيرات البنك المركزي في عدن، أصدرت الجماعة خلال أسبوع واحد عملتين جديدتين: ورقة نقدية فئة 200 ريال، وعملة معدنية من فئة 50 ريالًا. ورغم صغر الفئات، إلا أن الخبراء يرون أن التأثير النفسي والنقدي لهذه الإصدارات يفوق قيمتها الاسمية بكثير.

يرى الخبير المصرفي عبد الكريم الحسني أن "أي إصدار نقدي دون غطاء اقتصادي يعني زيادة الكتلة النقدية بدون زيادة مقابلة في الإنتاج أو الاحتياطي، وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للعملة". وأضاف أن "هذه الممارسات تؤثر مباشرة على توقعات السوق وتدفع التجار والمواطنين نحو التحوط بالعملات الأجنبية، ما يزيد الطلب ويؤثر سلبًا على سعر الصرف".
  • نزيف العملات الأجنبية
تشير المصادر المصرفية إلى أن الفجوة النقدية التي أحدثتها طبعات الحوثيين الجديدة دفعت بالتجار والمواطنين في مناطق سيطرتهم إلى تكثيف طلبهم على الدولار والريال السعودي، سواء للاحتفاظ به كمخزن للقيمة أو لاستخدامه في الاستيراد، في ظل فقدان الثقة بالعملة المحلية. هذا الارتفاع في الطلب شجع على عمليات تهريب ممنهجة للعملات الصعبة من مناطق الحكومة، وخاصة من عدن، عبر شبكات مصرفية وسوق سوداء نشطة.

ويؤكد الخبير المالي نجيب السالمي أن "تدفق العملات الأجنبية إلى مناطق الحوثيين يتم عبر عدة قنوات، من أبرزها الحوالات المصرفية، وتهريب الأموال عبر البر، إضافة إلى اختراق بعض شركات الصرافة"، مضيفًا أن "ضعف الرقابة الرسمية، وغياب التنسيق بين الجهات الأمنية والمالية، سمح باستمرار هذا النزيف، مما يعمّق أزمة شح الدولار في مناطق الحكومة".
  • انهيار تدريجي
شهدت العاصمة عدن خلال الأسابيع الأخيرة تقلبات حادة في سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، وسط مخاوف شعبية من انهيار جديد شبيه بما حدث في سنوات سابقة. ففي ظل تراجع المعروض من العملة الصعبة، وغياب سياسة نقدية فاعلة، وارتفاع حجم المضاربة، أصبحت السوق عرضة لاضطرابات شبه يومية، تنعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية.

ويحذر محللون اقتصاديون من أن استقرار سعر الصرف لا يمكن تحقيقه فقط عبر ضخ العملة الصعبة المؤقت أو دعم الوقود، بل يتطلب ذلك وقف النزيف النقدي من الداخل، وفرض سيطرة كاملة على الدورة المالية بين مناطق الشرعية والحوثيين، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
  • ضعف حكومي وإخفاق في المواجهة الاقتصادية
رغم وضوح التهديدات، لا تزال الاستجابة الحكومية دون المستوى المطلوب. فقد غابت الإجراءات الصارمة ضد تهريب العملة، ولم تُفعّل أدوات الرقابة على شركات الصرافة والتحويلات بالشكل الكافي. وعبّر ناشطون وخبراء عن استغرابهم من عدم وجود استراتيجية مالية موحدة لمواجهة الانقسام النقدي، رغم مخاطره المتفاقمة.

ويرى الباحث الاقتصادي رشاد الكميم أن "الحكومة الشرعية تخوض معركتها النقدية بشكل دفاعي لا هجومي، ما يجعل الحوثيين يفرضون وقائع اقتصادية على الأرض دون تكلفة تُذكر". ودعا إلى "تأسيس وحدة مالية رقابية مركزية ترتبط بالبنك المركزي وتعمل مع الأجهزة الأمنية لمراقبة حركة العملة وتجميد شبكات التهريب".
  • تحليل مالي: من طباعة العملة إلى تضخم سياسي
من منظور اقتصادي، فإن طباعة العملة دون غطاء تعني عمليًا خلق تضخم مصطنع يضغط على المستهلك، ويضعف الثقة بالسوق، ويعيد توجيه السيولة نحو العملات الأجنبية والذهب، ما يقلل من فعالية السياسات النقدية للحكومة. أما سياسيًا، فتمثل هذه الممارسات أداة لتعميق الانقسام بين الشمال والجنوب، وتوسيع الفجوة بين الاقتصادين، في ظل غياب توحيد السياسة المالية والنقدية بين البنكين في صنعاء وعدن.

الاقتصاديون يرون أن استمرار هذه الممارسات يُنذر بتحول الأزمة المالية إلى حالة دائمة من "الدولرة الجزئية"، حيث تفقد العملة المحلية دورها تدريجيًا في التداول، وهو سيناريو بالغ الخطورة على السيادة الاقتصادية للدولة اليمنية.
  • خاتمة
مع تصاعد خطر الانهيار النقدي، بات من الضروري أن تتحرك الحكومة اليمنية باتجاه:

إغلاق ثغرات تهريب العملة عبر إجراءات أمنية ومصرفية منسقة.

تشديد الرقابة على شركات الصرافة والتحويلات، وربطها بنظام مركزي محكم.

رفع الوعي المجتمعي بمخاطر تداول العملة الحوثية خارج نطاق الشرعية.

تنشيط السياسة النقدية للبنك المركزي بعدن بتعاون دولي واضح ومعلن.

تقديم تقارير دورية شفافة عن التحركات النقدية لتعزيز ثقة السوق.

فالاقتصاد، في مثل هذه الظروف، لم يعد مجرد أداة معيشية، بل ساحة صراع حقيقي، يتطلب إدارة متماسكة وردعًا مؤسسيًا في وجه الانفلات النقدي، الذي يهدد مستقبل اليمن برمته.