الوثائق ليست صفحات جامدة تملأ الأرفف، بل هي ضمير الشعوب وكنزها المخبوء. فيها يتجلّى التاريخ، وتمتزج الحكاية بالتحليل، وتنعقد حلقات الماضي بالحاضر. وإذا أردنا أن نتأمل حال الوثائق في اليمن، فما علينا إلا أن نفتح جراح الذاكرة الوطنية، فنقف أمام مشهد حزين من الإهمال والضياع، مشهد أضاع على اليمن كثيرًا من ثروته التاريخية.
تأخَّر تأسيس مركز وطني موحد للوثائق حتى بداية التسعينيات، ثم جاء القانون بعد ذلك بعقد تقريًبا، ولسنواتٍ طويلةٍ ظلت وثائق اليمن نهبًا للتنازع السياسي والجهل المؤسسي والفوضى في الإدارة. كم من أرشيف ضاع عندما اجتاحت فوضى التغيير مؤسسات الدولة، وكم من كنزٍ خطفته يد المهرب أو المتاجر! وبين كل تلك العواصف، بقيت الوثيقة في اليمن غريبة تنتظر من يحتفي بها ويصونها من عبث العابثين.
الغريب أن كثيرين لا يدركون أن الوثيقة ليست فقط وثيقة حكومية أو فرمانًا سلطانيًا، بل كل أثر مكتوب أو مرسوم أو مختوم أو مصوَّر على ورق أو جلد أو حتى على شريط ممغنط. هي المكاتبات، الصكوك، الصور، الصحف، المعاهدات، الأفلام، وغيرها من الأوعية التي تحفظ بها الشعوب وعيها الفني والإداري والعلمي. لم تعد الوثائق في عالم اليوم رفاهية أو ترفًا للمتاحف، بل ضرورة لصيانة الهوية، ومصدر أساس يؤسس عليه الباحثُ تاريخ الحضارة ويفكك رموزها.
ما يحدث للوثائق اليمنية هو فقدان متراكم للأمة نفسها. إذ لا يكاد ينتهي جيل حتى تجتاح موجة النسيان ماضيه، إما بفعل النزاع السياسي حيث تمّحى آثار السلف مع كل تغيير، أو نتيجة لإهمال الفروع الإدارية التي تزدري الإرث وتبقيه طي الإهمال والعبث، أو عبر تصرفات فردية وقلة وعي بخطورة رمي الوثائق أو التفريط فيها للدول والسماسرة.
أليس من المؤلم أن تتسرب مخطوطات اليمن النفيسة إلى مكتبات العواصم البعيدة، ويذرف التاريخ دمعه على الضياع؟ لقد أشار كثير من الباحثين إلى وقائع تهريب مدروسة وممنهجة هدفت إلى إفراغ اليمن من مكنونه الفكري والتاريخي، في خطة تستهدف ذاكرة البلاد وهويتها.
لكن الأمل باقٍ. هناك خطوات يُمكن من خلالها ترميم ما تبقّى من الذاكرة، تبدأ من نشر الوعي بين الناس بقيمة الوثيقة وخطورة تضيعها، وصولًا إلى تقنين التشريعات وتطبيق الرقابة على التهريب والبيع. كما لا بد من تمكين المؤسسات الرسمية ودعمها بالموازنات والكفاءات، وتحديث سياسات الأرشفة والحفظ، والبدء جديًّا في مشروع رقمنة الوثائق وتحويلها لأرصدة إلكترونية صامدة في وجه تقادم الأوراق وعبث الظروف.
وعلينا في ذلك أن نستلهم التجارب الرائدة، ففي دول عديدة لم تعد مراكز الوثائق مجرد مخازن، بل بنوك للمعلومات تخدم مؤسسات المجتمع جميعًا وتحمي الذاكرة من التزوير والضياع. لقد بات الإنقاذ العلمي للوثائق مهمة قومية تتطلب التعاون، والتطوير المستمر للوسائل والأجهزة، وأهم من كل ذلك: إحياء الحسّ الأخلاقي بأهمية الإرث الذي نستودعه أطفالنا.
تأخَّر تأسيس مركز وطني موحد للوثائق حتى بداية التسعينيات، ثم جاء القانون بعد ذلك بعقد تقريًبا، ولسنواتٍ طويلةٍ ظلت وثائق اليمن نهبًا للتنازع السياسي والجهل المؤسسي والفوضى في الإدارة. كم من أرشيف ضاع عندما اجتاحت فوضى التغيير مؤسسات الدولة، وكم من كنزٍ خطفته يد المهرب أو المتاجر! وبين كل تلك العواصف، بقيت الوثيقة في اليمن غريبة تنتظر من يحتفي بها ويصونها من عبث العابثين.
الغريب أن كثيرين لا يدركون أن الوثيقة ليست فقط وثيقة حكومية أو فرمانًا سلطانيًا، بل كل أثر مكتوب أو مرسوم أو مختوم أو مصوَّر على ورق أو جلد أو حتى على شريط ممغنط. هي المكاتبات، الصكوك، الصور، الصحف، المعاهدات، الأفلام، وغيرها من الأوعية التي تحفظ بها الشعوب وعيها الفني والإداري والعلمي. لم تعد الوثائق في عالم اليوم رفاهية أو ترفًا للمتاحف، بل ضرورة لصيانة الهوية، ومصدر أساس يؤسس عليه الباحثُ تاريخ الحضارة ويفكك رموزها.
ما يحدث للوثائق اليمنية هو فقدان متراكم للأمة نفسها. إذ لا يكاد ينتهي جيل حتى تجتاح موجة النسيان ماضيه، إما بفعل النزاع السياسي حيث تمّحى آثار السلف مع كل تغيير، أو نتيجة لإهمال الفروع الإدارية التي تزدري الإرث وتبقيه طي الإهمال والعبث، أو عبر تصرفات فردية وقلة وعي بخطورة رمي الوثائق أو التفريط فيها للدول والسماسرة.
أليس من المؤلم أن تتسرب مخطوطات اليمن النفيسة إلى مكتبات العواصم البعيدة، ويذرف التاريخ دمعه على الضياع؟ لقد أشار كثير من الباحثين إلى وقائع تهريب مدروسة وممنهجة هدفت إلى إفراغ اليمن من مكنونه الفكري والتاريخي، في خطة تستهدف ذاكرة البلاد وهويتها.
لكن الأمل باقٍ. هناك خطوات يُمكن من خلالها ترميم ما تبقّى من الذاكرة، تبدأ من نشر الوعي بين الناس بقيمة الوثيقة وخطورة تضيعها، وصولًا إلى تقنين التشريعات وتطبيق الرقابة على التهريب والبيع. كما لا بد من تمكين المؤسسات الرسمية ودعمها بالموازنات والكفاءات، وتحديث سياسات الأرشفة والحفظ، والبدء جديًّا في مشروع رقمنة الوثائق وتحويلها لأرصدة إلكترونية صامدة في وجه تقادم الأوراق وعبث الظروف.
وعلينا في ذلك أن نستلهم التجارب الرائدة، ففي دول عديدة لم تعد مراكز الوثائق مجرد مخازن، بل بنوك للمعلومات تخدم مؤسسات المجتمع جميعًا وتحمي الذاكرة من التزوير والضياع. لقد بات الإنقاذ العلمي للوثائق مهمة قومية تتطلب التعاون، والتطوير المستمر للوسائل والأجهزة، وأهم من كل ذلك: إحياء الحسّ الأخلاقي بأهمية الإرث الذي نستودعه أطفالنا.
خلاصة القول: الحفاظ على الوثائق ليس مهمة الأرشيفيين وحدهم، بل مسؤولية وطنية تشاركية. إننا بمقدار احترامنا للوثائق نعكس احترامنا لأنفسنا وتاريخنا، فالذاكرة التي تفرط في ماضيها تحكم على مستقبلها بالتيه والنسيان. حريٌّ بنا أن نعمل اليوم جادين لنحمي ما بقي، فالأمم الحية تحفظ ذاكرتها، وتبني مستقبلها على شواهد ماضيها.
















