> مقديشو "الأيام" العرب:
في وقت تُحاول فيه الصومال تثبيت دعائم أمنها واستقرارها بعد سنوات من التمرد والعنف، عاد مشهد الانقسام السياسي الداخلي ليُهدّد كل ما تحقق على الصعيد العسكري ضد الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب.
وتسبب الخلاف المتصاعد بين الحكومة الاتحادية الصومالية وبعض الولايات، مثل بونتلاند وجوبالاند، في إضعاف الجبهة الداخلية، ما أتاح لحركة الشباب استغلال الانقسامات وتوسيع نطاق هجماتها بشكل غير مسبوق منذ سنوات.
وفي عام 2025، شنّت حركة الشباب هجوماً واسعاً سيطرت فيه على عدد من البلدات والقرى المحيطة بالعاصمة مقديشو، في ظل تفكك واضح في التنسيق الأمني والسياسي بين الحكومة المركزية والولايات الإقليمية.
وعزز المشهد السياسي المرتبك، المدفوع بخلافات حول تعديل دستوري مثير للجدل، من عزلة الحكومة في مقديشو، وسمح للمسلحين بالزحف من الأرياف نحو المدن، مهددين المكاسب التي تحققت منذ بدء الهجوم المضاد في عام 2022.
وتصاعدت التوترات تحديدا منذ مارس 2024، عندما أُعلن عن تعديل دستوري يُنهي نظام تقاسم السلطة العشائري القائم منذ عقود، لصالح نموذج “الصوت الواحد للفرد الواحد.” واعتبر زعماء ولايات شبه مستقلة مثل بونتلاند وجوبالاند أن هذا التعديل محاولة لتكريس السلطة في يد الرئاسة الفيدرالية على حساب الحكم الذاتي المحلي.
وأدى هذا الرفض إلى قطيعة رسمية بين بونتلاند ومقديشو منذ أكثر من عام، فيما شهدت مناطق جنوب البلاد اشتباكات دامية بين القوات الاتحادية والقوات التابعة لجوبالاند. ومع اشتداد الخلاف، تتعطل عمليات التنسيق الأمني بين المستويات المختلفة من الحكم، ويقلّ التركيز على مواجهة التهديد الحقيقي المتمثل في حركة الشباب.
ووفق محللين أمنيين، فإنّ التشرذم السياسي يمنح الحركة فرصة لإعادة التموضع والتوسع، خاصة في المناطق التي يشهد فيها الحكم المحلي ضعفًا أو تنازعًا. ويشير مراقبون إلى أنّ الحلقة المفرغة من بدء كل إدارة جديدة بحملات لمكافحة التمرد، يليها تراجع حاد بسبب الاستقطاب السياسي مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، باتت سمة مزمنة في السياسة الصومالية، تُقوّض أية استمرارية في الاستراتيجية الأمنية.
وفي ظل هذا الانقسام، تجد حركة الشباب بيئة خصبة لاختراق المجتمعات، وملء الفراغات الإدارية والأمنية، وحتى التسلل إلى مؤسسات الدولة الرسمية. وكلما تراجعت هيبة الدولة المركزية، اتسعت دائرة سيطرة الجماعة المتشددة، بما يُهدد بانهيار التقدم العسكري والسياسي الذي تحقق بشق الأنفس.
وما يزيد من خطورة الوضع هو غياب توافق سياسي وطني على آليات الحكم وتوزيع الصلاحيات، مما يحول دون بناء جبهة موحدة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.
وفي ظل ذلك، يرى خبراء أن السبيل الوحيد لتفادي انهيار شامل يتمثل في فتح حوار جاد بين الحكومة الاتحادية والولايات المختلفة، يستند إلى شراكة حقيقية وشفافة، ويهدف إلى إعادة بناء الثقة وتعزيز الوحدة الوطنية كشرط ضروري لنجاح أي حملة ضد الإرهاب.
ولا يزال إرث الفيدرالية الصومالية واحدا من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السياسي للبلاد. فقد نشأ هذا النموذج في أعقاب انهيار الدولة المركزية في أوائل التسعينات، كإطار مؤقت لاستعادة الحد الأدنى من النظام السياسي والإداري، عبر تفويض السلطات المحلية بإدارة شؤونها ضمن كيان فيدرالي جامع. لكنه، وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على اعتماده رسميًا، لا يزال يعاني من غياب القواعد الدستورية والإجرائية التي تنظّم العلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات الأعضاء.
وبينما يرى كثيرون في الفيدرالية أداة ضرورية لمراعاة التنوع القبلي والإقليمي في الصومال، فإن غياب قانون فيدرالي حاكم، وعدم حسم ملفات أساسية مثل تقاسم الموارد والسلطة، فتح المجال لتأويلات متضاربة بين المركز والأقاليم. ومع غياب محكمة دستورية فاعلة تفصل في الخلافات، تحوّلت الفيدرالية عمليًا إلى ساحة صراع مفتوح على النفوذ، بدلًا من كونها قاعدة لتوزيع عادل للسلطات.
ولا تُعد ولايتا بونتلاند وجوبالاند مجرّد وحدات إدارية داخل الدولة، بل كيانات ذات عمق تاريخي وجغرافي واقتصادي خاص، تمتعت على مدى سنوات بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي، وتربطها علاقات إقليمية مستقلة.
وهذا الوضع دفعها إلى مقاومة ما تعتبره “تمددًا مفرطًا” من الحكومة الفيدرالية في مقديشو، خصوصًا مع التعديلات الدستورية الأخيرة التي تفسَّر على نطاق واسع بأنها تهدف لتكريس سلطة مركزية على حساب صلاحيات الولايات.
ومع غياب قنوات فاعلة للحوار المؤسسي بين الطرفين، تتفاقم المخاوف من أن تؤدي هذه الخلافات البنيوية إلى شلل في مؤسسات الدولة، بل وربما إلى عودة النزعات الانفصالية أو الانزلاق نحو نمط من الحكم الموازي داخل بعض الأقاليم.
ولا يهدد هذا التوازن الهش بين المركز والأقاليم فقط استقرار النظام السياسي، بل يضعف أيضًا جهود بناء جيش وطني موحّد وإستراتيجية أمنية متماسكة، في وقت تُصعد فيه حركة الشباب هجماتها على مختلف الجبهات.
ومن ثم، فإن استمرار تجاهل إصلاح الفيدرالية من خلال حوار وطني شامل يتناول القضايا الجوهرية – كآليات تقاسم الموارد، وتعريف صلاحيات الحكومة الاتحادية مقابل السلطات الإقليمية، وبناء مؤسسات ضامنة – لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وإضعاف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية والتنموية على المدى الطويل.
وتسبب الخلاف المتصاعد بين الحكومة الاتحادية الصومالية وبعض الولايات، مثل بونتلاند وجوبالاند، في إضعاف الجبهة الداخلية، ما أتاح لحركة الشباب استغلال الانقسامات وتوسيع نطاق هجماتها بشكل غير مسبوق منذ سنوات.
وفي عام 2025، شنّت حركة الشباب هجوماً واسعاً سيطرت فيه على عدد من البلدات والقرى المحيطة بالعاصمة مقديشو، في ظل تفكك واضح في التنسيق الأمني والسياسي بين الحكومة المركزية والولايات الإقليمية.
وعزز المشهد السياسي المرتبك، المدفوع بخلافات حول تعديل دستوري مثير للجدل، من عزلة الحكومة في مقديشو، وسمح للمسلحين بالزحف من الأرياف نحو المدن، مهددين المكاسب التي تحققت منذ بدء الهجوم المضاد في عام 2022.
وتصاعدت التوترات تحديدا منذ مارس 2024، عندما أُعلن عن تعديل دستوري يُنهي نظام تقاسم السلطة العشائري القائم منذ عقود، لصالح نموذج “الصوت الواحد للفرد الواحد.” واعتبر زعماء ولايات شبه مستقلة مثل بونتلاند وجوبالاند أن هذا التعديل محاولة لتكريس السلطة في يد الرئاسة الفيدرالية على حساب الحكم الذاتي المحلي.
وأدى هذا الرفض إلى قطيعة رسمية بين بونتلاند ومقديشو منذ أكثر من عام، فيما شهدت مناطق جنوب البلاد اشتباكات دامية بين القوات الاتحادية والقوات التابعة لجوبالاند. ومع اشتداد الخلاف، تتعطل عمليات التنسيق الأمني بين المستويات المختلفة من الحكم، ويقلّ التركيز على مواجهة التهديد الحقيقي المتمثل في حركة الشباب.
ووفق محللين أمنيين، فإنّ التشرذم السياسي يمنح الحركة فرصة لإعادة التموضع والتوسع، خاصة في المناطق التي يشهد فيها الحكم المحلي ضعفًا أو تنازعًا. ويشير مراقبون إلى أنّ الحلقة المفرغة من بدء كل إدارة جديدة بحملات لمكافحة التمرد، يليها تراجع حاد بسبب الاستقطاب السياسي مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، باتت سمة مزمنة في السياسة الصومالية، تُقوّض أية استمرارية في الاستراتيجية الأمنية.
وفي ظل هذا الانقسام، تجد حركة الشباب بيئة خصبة لاختراق المجتمعات، وملء الفراغات الإدارية والأمنية، وحتى التسلل إلى مؤسسات الدولة الرسمية. وكلما تراجعت هيبة الدولة المركزية، اتسعت دائرة سيطرة الجماعة المتشددة، بما يُهدد بانهيار التقدم العسكري والسياسي الذي تحقق بشق الأنفس.
وما يزيد من خطورة الوضع هو غياب توافق سياسي وطني على آليات الحكم وتوزيع الصلاحيات، مما يحول دون بناء جبهة موحدة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.
وفي ظل ذلك، يرى خبراء أن السبيل الوحيد لتفادي انهيار شامل يتمثل في فتح حوار جاد بين الحكومة الاتحادية والولايات المختلفة، يستند إلى شراكة حقيقية وشفافة، ويهدف إلى إعادة بناء الثقة وتعزيز الوحدة الوطنية كشرط ضروري لنجاح أي حملة ضد الإرهاب.
ولا يزال إرث الفيدرالية الصومالية واحدا من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السياسي للبلاد. فقد نشأ هذا النموذج في أعقاب انهيار الدولة المركزية في أوائل التسعينات، كإطار مؤقت لاستعادة الحد الأدنى من النظام السياسي والإداري، عبر تفويض السلطات المحلية بإدارة شؤونها ضمن كيان فيدرالي جامع. لكنه، وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على اعتماده رسميًا، لا يزال يعاني من غياب القواعد الدستورية والإجرائية التي تنظّم العلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات الأعضاء.
وبينما يرى كثيرون في الفيدرالية أداة ضرورية لمراعاة التنوع القبلي والإقليمي في الصومال، فإن غياب قانون فيدرالي حاكم، وعدم حسم ملفات أساسية مثل تقاسم الموارد والسلطة، فتح المجال لتأويلات متضاربة بين المركز والأقاليم. ومع غياب محكمة دستورية فاعلة تفصل في الخلافات، تحوّلت الفيدرالية عمليًا إلى ساحة صراع مفتوح على النفوذ، بدلًا من كونها قاعدة لتوزيع عادل للسلطات.
ولا تُعد ولايتا بونتلاند وجوبالاند مجرّد وحدات إدارية داخل الدولة، بل كيانات ذات عمق تاريخي وجغرافي واقتصادي خاص، تمتعت على مدى سنوات بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي، وتربطها علاقات إقليمية مستقلة.
وهذا الوضع دفعها إلى مقاومة ما تعتبره “تمددًا مفرطًا” من الحكومة الفيدرالية في مقديشو، خصوصًا مع التعديلات الدستورية الأخيرة التي تفسَّر على نطاق واسع بأنها تهدف لتكريس سلطة مركزية على حساب صلاحيات الولايات.
ومع غياب قنوات فاعلة للحوار المؤسسي بين الطرفين، تتفاقم المخاوف من أن تؤدي هذه الخلافات البنيوية إلى شلل في مؤسسات الدولة، بل وربما إلى عودة النزعات الانفصالية أو الانزلاق نحو نمط من الحكم الموازي داخل بعض الأقاليم.
ولا يهدد هذا التوازن الهش بين المركز والأقاليم فقط استقرار النظام السياسي، بل يضعف أيضًا جهود بناء جيش وطني موحّد وإستراتيجية أمنية متماسكة، في وقت تُصعد فيه حركة الشباب هجماتها على مختلف الجبهات.
ومن ثم، فإن استمرار تجاهل إصلاح الفيدرالية من خلال حوار وطني شامل يتناول القضايا الجوهرية – كآليات تقاسم الموارد، وتعريف صلاحيات الحكومة الاتحادية مقابل السلطات الإقليمية، وبناء مؤسسات ضامنة – لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وإضعاف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية والتنموية على المدى الطويل.















