> ربيعة خطاب:

في مشهد يعكس تشابك الأبعاد الجيوسياسية للصراع في اليمن، عادت العقوبات الأميركية على اليمن لتتصدر واجهة الأحداث الدولية، بعدما أعلنت وزارة الخزانة في واشنطن حزمة جديدة وُصفت بأنها الأوسع ضد اليمن .

لم يقتصر القرار على استهداف قيادات وعناصر أنصار الله، بل طال شركات صينية وأخرى دولية اتُّهمت بتسهيل نقل قطع عسكرية وسلع مزدوجة الاستخدام، ما أضفى على الملف بعداً يتجاوز حدود اليمن ليصل إلى قلب التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين.

ومع أن هذه العقوبات جاءت في إطار النهج الأميركي المستمر لمحاصرة الحوثيين عسكريا واقتصاديا، فإن رد بكين لم يتأخر، إذ اعتبرت الإجراءات الأميركية "استخداما عشوائيا للعقوبات الأحادية"، وانتهاكا للقانون الدولي والأعراف التي تحكم العلاقات بين الدول. هذا التباين في المواقف يعكس ليس فقط تعقيدات الأزمة اليمنية، بل أيضا حجم التداخل بين صراع النفوذ في الشرق الأوسط والتجاذبات الكبرى بين واشنطن وبكين، ما يجعل من العقوبات الأخيرة أكثر من مجرد أداة ضغط على الحوثيين، بل ورقة إضافية في لعبة التوازنات الدولية.

وفي حديثه لـ "الأيام نيوز"، صرّح المحلل السياسي السوداني الأستاذ عبد الناصر سلم حامد سلم ، كبير الباحثين في فوكس للدراسات بالسويد وخبير إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب، بأن العقوبات الأمريكية الأخيرة على الحوثيين، والتي وُصفت بأنها الأكبر من نوعها، لا يمكن اختزالها في كونها مجرد إجراء أمني يستهدف القدرات العسكرية للحركة، بل تحمل في جوهرها أبعادا سياسية واستراتيجية أوسع ترتبط بمحاولات واشنطن إعادة تموضعها في البحر الأحمر.

وأوضح أن استهداف 32 كيانا وأربع سفن، بينها شركات صينية متهمة بتوريد مكونات لصناعة المسيّرات الإيرانية "شاهد–136" والصواريخ الباليستية، يعكس استخدام ما يُعرف بـ"العقوبات الذكية"، لكنه يتجاوز ذلك ليؤكد رغبة الولايات المتحدة في إعادة تثبيت نفسها كقوة ضامنة للملاحة الدولية في البحر الأحمر، حيث تمر ما بين 12 و15% من التجارة العالمية، مشيرا إلى أن التراجع الكبير في حركة العبور عبر قناة السويس منذ أواخر 2023 كبّد مصر خسائر بمليارات الدولارات وأجبر شركات عملاقة مثل Maersk على الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح.

وأضاف أن "انتقائية العقوبات تكشف ازدواجية المعايير الأمريكية"، حيث ركزت على شركات صينية مثل Hubei Chica Industrial وShenzhen Shengnan Trading، بينما تجاهلت أطرافًا إقليمية سبق الإشارة إلى تورطها في شبكات تهريب السلاح والنفط. واعتبر أن هذا النهج يذكّر بتجارب سابقة في العراق وإيران، حيث استُخدمت العقوبات كأداة سياسية تخضع لموازين القوة أكثر مما تلتزم بالقانون الدولي.

وأشار الدكتور عبد الناصر إلى أن الموقف الصيني الرافض جاء متوقَّعا، مؤكدا أن بكين لم تدافع فقط عن مصالح شركاتها التجارية، بل ربطت اعتراضها بمشروعها الاستراتيجي "الحزام والطريق". وقال إن البحر الأحمر بالنسبة للصين ليس خطا ملاحيا فحسب، بل محورا لمصالحها التجارية والطاقوية، معتبرا أن استهداف شركاتها هناك يمثّل تهديدا مباشرا قد يدفعها إلى تعزيز وجودها الاقتصادي وربما الأمني في المنطقة، خاصة في ظل مساعيها لبناء نظام مالي بديل يحد من هيمنة الدولار.

وفي ما يتعلق بالموقف اليمني الرسمي، لفت إلى أن ترحيب "الحكومة المعترف بها دوليا" بالعقوبات "لا يمكن وصفه بالمستقل"، نظرًا لاعتمادها المالي والسياسي على السعودية والإمارات، إضافة إلى الغطاء الأمريكي، وهو ما يمنح الحوثيين فرصة لتعزيز خطابهم القائل: "إن الحكومة أداة خارجية"، ما يضعف شرعيتها أمام الداخل.

وأكد أن هذه الجولة من العقوبات تحمل "طابعًا تصعيديًا" لأنها لم تقتصر على الحوثيين كطرف محلي، بل امتدت إلى شبكات إقليمية ودولية.

وأوضح أن ذلك يزيد من احتمالات التوتر مع إيران، ومع الصين والهند اللتين تتأثران مباشرة بأمن الممرات البحرية. وأضاف أن كون هذه العقوبات أحادية وليست صادرة عن مجلس الأمن، فهي تثير جدلا قانونيا حول مشروعيتها.

واعتبر أن وصف وزارة الخزانة الأمريكية للعقوبات بأنها "الأكبر من نوعها" يتسم بطابع دعائي، مشددا على أن الأكبر لا تعني الأكثر فعالية، مستشهدًا بتجارب العراق وكوريا الشمالية وإيران التي لم تؤدِّ العقوبات الواسعة ضدها إلى تغيير استراتيجي حقيقي.

وفي تقييمه للأثر الإنساني، قال الدكتور عبد الناصر: "الأثر شبه حتمي". وأوضح أن نحو 19.5 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأكثر من 70 % من السكان يعتمدون عليها، بينما تؤدي "المبالغة في الامتثال" من قِبل البنوك والشركات إلى عرقلة وصول المساعدات، رغم الاستثناءات الأمريكية للغذاء والدواء. وحذّر من تكرار تجربة العراق في التسعينيات، حيث تحوّلت العقوبات إلى عقوبة جماعية أصابت الشعب قبل النظام.

وختم قائلا إن هذه العقوبات "تُظهر أن واشنطن لا تسعى لحل الأزمة اليمنية بقدر ما تحاول إدارتها والتحكم في مخرجاتها، وحماية النظام التجاري العالمي، وإعادة تثبيت هيمنتها في البحر الأحمر، لكنها لا تقدّم أي ضمانة لمعالجة جذور الصراع أو لتخفيف المعاناة الإنسانية المتفاقمة".

وفي السياق ذاته، أدلى المحلل السياسي اليمني أحمد البحري بتصريحات خاصة لـ"الأيام نيوز"، أكد فيها أن العقوبات الأميركية الجديدة ليست بالأمر المستحدث، إذ سبقتها عقوبات مماثلة صدرت منذ سنوات عن وزارة الخزانة الأميركية. الجديد في الأمر بحسبه هو إدخال شركات صينية في دائرة الاستهداف، وهو ما يعكس شدة الصراع التجاري المتصاعد بين واشنطن وبكين. ويرى البحري أن المتضرر الوحيد من هذه العقوبات هو الشعب اليمني، الذي يعيش منذ سنوات طويلة في وضع إنساني بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن تأثير هذه الإجراءات سيبقى محدودا لعدة أسباب، أهمها أن معظم السلاح يُصنع محليا.

وأوضح البحري أن ما يجري يكشف بوضوح عن ازدواجية المعايير، حيث تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى توسيع نفوذهما والسيطرة على طرق التجارة الإقليمية والدولية.

وأضاف أن الصين باتت ترى نفسها قوة اقتصادية وعسكرية كبرى، ومن حقها أن تمتلك أسواقا ونفوذا خارج دائرة الهيمنة الغربية، ولاسيما الأميركية، ولذلك فهي مستمرة في فتح أسواق جديدة في المنطقة وإفريقيا وغيرها من دول العالم، من دون أن تتأثر بالعقوبات الأميركية، سواء تلك المفروضة على اليمن أو على دول أخرى، مثل روسيا وإيران.

وفيما يتعلق بدور "الحكومة المعترف بها دوليا"، اعتبر البحري أنها الطرف الذي يسعى لتوسيع نطاق العقوبات على حكومة صنعاء، سعيا لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية على الأرض.

لكنه حذّر في المقابل من أن الضغوط المتزايدة قد تدفع حكومة صنعاء إلى اتخاذ إجراءات مضادة، مثل فرض حصار بحري في البحر الأحمر والبحر العربي، بل وإغلاق باب المندب، الأمر الذي ستكون له تداعيات خطيرة على المستويين الإقليمي والدولي.

وأضاف البحري أن الدور الأميركي في اليمن لا يأتي في صدارة المشهد، بل يتبع بالدرجة الأولى الدور السعودي، ثم الإماراتي، حيث يرى أن الرياض هي اللاعب الرئيسي، في حين نجحت أبوظبي خلال السنوات الأخيرة في تكريس نفوذ متنامٍ لها داخل اليمن.

وختم البحري حديثه بالتشديد على أن الشعب اليمني هو الضحية المباشرة لهذه العقوبات، محمّلاً المسؤولية للمجتمع الدولي بأسره.

كما اتهم الولايات المتحدة باستخدام ورقة "الإرهاب" كذريعة دائمة للتدخل في شؤون الدول وتحقيق مصالحها، سواء الاقتصادية أو العسكرية، مذكّرا بما قال إنه إقرار صريح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول دور واشنطن في إنشاء تنظيم القاعدة في أواخر القرن الماضي، ثم تنظيم "داعش" في بدايات القرن الحالي.

ويرى البحري أن واشنطن ما تزال توظف هذه الورقة في الضغط على الدول، بل وتستخدم الجماعات الإرهابية عند الحاجة لتقويض استقرار الدول الرافضة لسياساتها، حتى ترضخ في نهاية المطاف لمطالبها.

"الأيام نيوز"