> واشنطن «الأيام» العرب اللندنية:

​أعاد التصعيد الأخير بين جماعة الحوثي والسعودية الملف اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعد سنوات من التهدئة النسبية التي سمحت للطرفين بإبقاء المواجهة العسكرية ضمن حدود يمكن احتواؤها. 

إلا أن التطورات الأخيرة، التي بدأت باتهام الحوثيين الرياض باستهداف مطار صنعاء الدولي، ثم تبعتها هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باتجاه مطار أبها، تشير إلى أن معادلة الردع التي حكمت العلاقة بين الجانبين منذ الهدنة أصبحت تواجه اختبارا غير مسبوق، في ظل تداخل الأزمة اليمنية مع المواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة.

ولا يبدو التصعيد مجرد رد فعل على حادثة بعينها، بل يعكس محاولة من الحوثيين لإعادة رسم قواعد الاشتباك مع السعودية، مستفيدين من التحولات الإقليمية التي منحتهم هامشا أوسع للمناورة، ومن حاجة الرياض إلى الحفاظ على سياسة خفض التصعيد التي تبنتها خلال السنوات الأخيرة.

وفي 13 يوليو، أعلن الحوثيون انتهاء مرحلة التهدئة مع السعودية، بعد اتهامها بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفدا من الجماعة عائدا من مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي.

ولم يقتصر الأمر على التصريحات، بل تبعتها هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت مطار أبها الدولي، في رسالة مباشرة مفادها أن استهداف مطار صنعاء سيقابله استهداف للمطارات السعودية.

وتوجت الجماعة هذا التصعيد بتحذيرها من أن المجال الجوي السعودي لن يكون آمنا ما دامت القيود المفروضة على مطار صنعاء مستمرة، قبل أن يرفع زعيمها عبد الملك الحوثي سقف التهديد بإعلانه معادلة جديدة عنوانها: "المطارات مقابل المطارات، والموانئ مقابل الموانئ، والحصار مقابل الحصار".

وتعكس هذه التصريحات انتقال الحوثيين من سياسة الضغط السياسي إلى سياسة فرض معادلات ردع جديدة، تستهدف نقل كلفة الأزمة إلى الداخل السعودي إذا لم تستجب الرياض لمطالبهم.

ورغم أن الأزمة بدأت بسبب رحلة جوية، فإن جوهر الخلاف يتجاوز بكثير قضية تشغيل مطار صنعاء.

فالرحلة التي سيرتها شركة "ماهان إير" الإيرانية بين طهران وصنعاء كانت الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، وجرت من دون موافقة الحكومة اليمنية، وهو ما اعتبرته السلطات الشرعية والتحالف العربي تحديا مباشرا للترتيبات القائمة بشأن إدارة المجال الجوي اليمني.

لكن الحوثيين ينظرون إلى القضية من زاوية مختلفة، إذ يعتبرون أن إعادة فتح المطار أمام الرحلات الدولية تمثل خطوة أساسية لإنهاء ما يصفونه بـ"الحصار"، بينما ترى السعودية أن فتح خطوط جوية غير خاضعة للرقابة قد يسمح بعودة تدفق الخبرات العسكرية والمعدات الإيرانية إلى الجماعة.

ولهذا، فإن الخلاف لا يتعلق بالمطار بحد ذاته، وإنما بطبيعة العلاقة المستقبلية بين الحوثيين وإيران، وحدود النفوذ الإيراني في اليمن.

وتشير المؤشرات إلى أن الحوثيين يستخدمون قضية المطار كبوابة لطرح حزمة أوسع من المطالب، تشمل تخفيف القيود على ميناء الحديدة، وضمان صرف الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، والحصول على حصة من عائدات النفط والغاز، فضلا عن الاعتراف بدورهم السياسي والعسكري في أي تسوية مستقبلية.

ومن وجهة نظر الجماعة، فإن الهدنة لم تحقق لهم المكاسب الاقتصادية والسياسية التي كانوا ينتظرونها، ولذلك يسعون إلى استثمار المتغيرات الإقليمية لفرض شروط تفاوضية جديدة.

وبالنسبة للرياض، يفرض هذا التصعيد معادلة أمنية أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل سنوات.

فالسعودية التي قادت التحالف العسكري في اليمن منذ عام 2015، أعادت خلال الأعوام الأخيرة ترتيب أولوياتها، وركزت على خفض التصعيد الإقليمي، سواء عبر التقارب مع إيران أو من خلال دعم جهود التسوية في اليمن، إدراكا منها للكلفة الاقتصادية والأمنية للحرب الطويلة.

كما أن رؤية المملكة 2030 جعلت الاستقرار الإقليمي شرطا أساسيا لاستمرار مشاريع التنمية وجذب الاستثمارات، وهو ما دفعها إلى تبني سياسة تقوم على احتواء الأزمات بدلا من الانخراط في مواجهات مفتوحة.

غير أن الحوثيين يبدو أنهم يراهنون على هذه المقاربة، معتبرين أن رغبة الرياض في تجنب الحرب تمنحهم مساحة أكبر للضغط ورفع سقف المطالب.

ويزداد الموقف تعقيدا مع تزامن التصعيد اليمني مع المواجهة الأمريكية الإيرانية. فبعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر رئيسية، اكتسب باب المندب أهمية استراتيجية أكبر بالنسبة لتدفقات النفط والتجارة العالمية، خاصة مع اتجاه السعودية إلى زيادة استخدام موانئ البحر الأحمر لتصدير جزء أكبر من إنتاجها النفطي.

ومنح هذا التحول الحوثيين ورقة ضغط إضافية، إذ باتوا قادرين على تهديد أحد أهم الممرات البحرية التي تعتمد عليها المملكة وشركاؤها.

كما أن إيران تنظر إلى الجماعة باعتبارها أحد أهم أوراقها الإقليمية بعد تعرض عدد من حلفائها الآخرين لضغوط عسكرية، وهو ما يجعل أي تصعيد في اليمن جزءا من معادلة الردع الإقليمية الأوسع.

ورغم ارتفاع سقف التهديدات، فإن الطرفين ما زالا يحرصان على إبقاء التصعيد ضمن حدود محسوبة.

فالضربات الحوثية استهدفت منشآت يمكن اعتراض الهجمات الموجهة إليها، فيما اكتفت السعودية بردود محدودة، ما يعكس رغبة متبادلة في توجيه الرسائل دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

لكن استمرار هذا النمط يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي خطأ في الحسابات أو إصابة هدف استراتيجي قد يدفع الطرفين إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الحدود السعودية اليمنية، بل تمتد إلى أمن الملاحة الدولية.

فالحوثيون أثبتوا خلال السنوات الماضية قدرتهم على استهداف السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر، وهو ما يمنحهم قدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في مضيق هرمز.

ولهذا، فإن أي انهيار للهدنة قد يفتح الباب أمام ضغوط متزامنة على اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو سيناريو ستكون له انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

وحتى الآن، لا تزال فرص احتواء الأزمة قائمة، خصوصا أن السعودية تدرك أن العودة إلى الحرب المفتوحة ستعيد اليمن إلى نقطة الصفر، وستفرض عليها أعباء أمنية واقتصادية جديدة، بينما يعلم الحوثيون أن التصعيد المفرط قد يدفع الرياض إلى إعادة النظر في سياسة ضبط النفس.

لكن في المقابل، تبدو الهدنة أكثر هشاشة من أي وقت مضى، بعدما أصبحت رهينة للتطورات الإقليمية أكثر من ارتباطها بالملف اليمني نفسه.

ولم يعد التصعيد الحوثي مجرد خلاف حول مطار صنعاء أو القيود المفروضة على الموانئ، بل أصبح اختبارا لاستراتيجية السعودية في إدارة أمنها الإقليمي. فالرياض تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة: كيف تحافظ على سياسة التهدئة التي تخدم أولوياتها التنموية، من دون أن تفسر هذه السياسة باعتبارها تراجعا يشجع الحوثيين على رفع سقف مطالبهم؟.

 والإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الهدنة اليمنية فحسب، بل قد ترسم أيضا ملامح التوازنات الأمنية في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر خلال المرحلة المقبلة.