لست في هذا المقال خصمًا للمملكة ولا محاميًا عنها، بل كاتبٌ حرّ يرى في الدعم فرصة للاقتصاد ومجالًا للمساءلة الرشيدة، ونقدًا محبًّا من موقع النصح لا المناكفة.
ثمة خبر يستحق أكثر من تمريرة بروتوكولية: إعلان دعم اقتصادي تنموي جديد لليمن بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، دعمٌ موجّه لمساندة الحكومة ومقومات الاستقرار الاقتصادي والمالي، ويشمل تمويلات للموازنة، ومشتقات نفطية، ودعمًا تشغيليًا لمستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن. في الظاهر هو ضخّ سيولة لإنعاش قدرة الدولة على الوفاء بالحدّ الأدنى من التزاماتها؛ في العمق هو إشارة سياسية بقدر ما هو إجراء اقتصادي.
التوقيت ليس تفصيلاً. يأتي الدعم في لحظة إنهاك اقتصادي واجتماعي، مع هشاشة مالية للدولة واحتقان خدماتي، ومع حاجة ملحّة إلى تأمين وقود للكهرباء وتنفّسٍ في جانب الرواتب والخدمات الأساسية. لذا فالمغزى يتجاوز إخماد حرائق مؤقتة إلى رسالة استمرارية: لن نترك عدن وحكومتها تسقط في العجز الكامل، ولن نسمح بانفلات نقدي يلتهم ما تبقّى من ثقة الناس. هذه رسائل استقرار لا تقل أهمية عن البنود المالية نفسها.
اقتصاديًا، يمكن لهذا الضخ أن يخفّف ضغوط سعر الصرف، ويُهدّئ سوق الوقود، ويمنح المالية العامة فسحة قصيرة لتدبير الرواتب والخدمات. لكنه يظلّ تأثيرًا مشروطًا: إذا لم تُحكم قناة الصرف بحوكمة دقيقة، وإذا لم تُربط الدفعات بمؤشرات أداء وإصلاحات نقدية ومالية، فسنكرّر الدورة ذاتها: دعم، هدنة قصيرة، ثم عودةٌ إلى الاختناق.
على مستوى الموازنة، توزيع الدعم بين دعم مباشر للموازنة، وتمويل مشتقات نفطية، وبنود تشغيلية صحية، يوحي بمقاربة “مزج الأدوات”: منع الانقطاعات الخدمية القاسية، وشراء وقت سياسي واقتصادي لالتقاط الأنفاس. غير أن المزيج نفسه قد يتحوّل إلى"تخفيف أعراض" بدل علاج الأسباب، إن لم يقترن بخطة نقدية- مالية تضبط العجز، وتحد من التمويل التضخمي، وتعيد ترتيب أولويات الإنفاق نحو شبكات أمان اجتماعي وخدمات منتجة.
سياسيًا، الدعم رسالة مزدوجة الاتجاه: إلى الداخل اليمني بأن هناك سندًا إقليميًا لشرعية مؤسسات الدولة، وإلى الفاعلين الإقليميين بأن الرياض ما زالت تمسك بخيوط “الاستقرار الممكن” في الجوار. يقرأها مجلس القيادة الرئاسي كمساحة مناورة إضافية، وتقرأها القوى المحلية كمعطى في ميزان النفوذ. وهنا مكمن التعقيد: كيف لا يتحوّل المال السياسي إلى رافعة تنازع محلي، بدل أن يكون مظلة توازن لبناء مؤسسات قابلة للحياة؟
أمنيًا-خدميًا، بند المشتقات يمنع الانهيارات الدورية في الكهرباء، وهي انهيارات تُحوّل السخط الشعبي إلى وقود سياسي. لكن تجارب السنوات الماضية تقول إن الوقود المدعوم بلا مسطرة شفافية صارمة يتسرّب جزء منه أو يُهدر بلا صيانة منظومات التوليد والتوزيع. الدعم الذي لا يموّل صيانة البنى ويحدّثها، يظل رهينة الشاحنات.
من زاوية علاقة اليمن بالسعودية، يُقرأ الدعم على خلفية طويلة: المملكة هي الداعم الأكبر إنسانيًا وتمويليًا في العقد الأخير، وثقلها ليس محل نزاع. النقد هنا ليس للطبيعة الإنسانية للدعم، بل لهندسة أثره: كيف يتحوّل من “حقن إسعاف” إلى “خطة تعافٍ”؟ كيف يُبنى على هذا الدعم مسار إصلاحات قابلة للقياس، تُفضي إلى تقليص الاعتمادية، لا تأبيدها؟
ثمة بعد أخلاقي في القصة لا يقل شأنًا: المال العام الخارجي حين يلامس الواقع المحلي ينبغي أن يُترجم إلى كرامة خدمات لا إلى أرقام بيانات. ذلك يعني شفافية في الإعلان عن جدول الدفعات، والجهات المنفّذة، ومعايير الشراء والتوريد، ولوحة مؤشرات شهرية تقول للناس: ماذا وصل؟ أين صُرف؟ ما الأثر؟ عندها فقط يتحوّل الدعم إلى عقد ثقة، لا إلى بند خلاف.
ومن منظور دولة تكافح التشظي، لا يكفي أن يصل المال إلى الخزائن؛ يجب أن تعبر قيمته إلى المدارس والمستشفيات والطرقات. هنا دور الحكومة: أن تُظهر قدرة على الامتصاص، لا مجرد الاستلام؛ وعلى ترتيب الأولويات وفق أثرٍ اجتماعي ملموس. الرسالة إلى الرياض كذلك واضحة: النقد هنا نقد محبّ، يريد للدعم أن يصير رافعة بناء، لا استراحة محارب.
يبقى أن نشير إلى أن بيان الخارجية السعودية قدّم الدعم استجابةً لمناشدة رئاسة مجلس القيادة، وتأكيدًا لاستمرار المساندة، وأن القنوات ستكون عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما يشمل دعم الموازنة والمشتقات ومكوّنات تشغيلية محددة. هذا التفصيل مهم لأنه يربط التنفيذ بمنصة لها خبرة تنفيذية، ويتيح – إن أُحسن استخدامه – طبقات إضافية من الحوكمة والشراكة الفنية.
خلاصة الموقف: نشكر ما يُنقذ الناس من العتمة ويُسكّن جوع الموازنة، وننتقد ما قد يعيدنا إلى الدائرة نفسها بعد شهور. الدعم في توقيته ومضمونه فرصة سياسية واقتصادية، لكنه ليس بديلًا عن إصلاحات صعبة، ولا عن سلطة تُحسن ترتيب الأولويات. الطريق الأقصر لصدقية المانح والمتلقي معًا: إعلان مشترك لجدول مؤشرات، وجدولة شفافة للصرف، وربطٌ ذكيّ بين كل دفعة وخطوة إصلاح تقيسها عين الجمهور قبل تقارير المؤسسات.
هذا المقال ليس دعوة للتشكيك في اليد التي امتدّت، بل دعوة إلى أن تُمسك تلك اليد بيدٍ يمنيةٍ تعرف أين تضع المال وكيف تحاسب من يصرفه. عندها فقط يصبح الرقم خبرًا جيدًا، ويصير التوقيت بداية مسار، لا هامشًا في نشرة المساء.
ثمة خبر يستحق أكثر من تمريرة بروتوكولية: إعلان دعم اقتصادي تنموي جديد لليمن بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، دعمٌ موجّه لمساندة الحكومة ومقومات الاستقرار الاقتصادي والمالي، ويشمل تمويلات للموازنة، ومشتقات نفطية، ودعمًا تشغيليًا لمستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن. في الظاهر هو ضخّ سيولة لإنعاش قدرة الدولة على الوفاء بالحدّ الأدنى من التزاماتها؛ في العمق هو إشارة سياسية بقدر ما هو إجراء اقتصادي.
التوقيت ليس تفصيلاً. يأتي الدعم في لحظة إنهاك اقتصادي واجتماعي، مع هشاشة مالية للدولة واحتقان خدماتي، ومع حاجة ملحّة إلى تأمين وقود للكهرباء وتنفّسٍ في جانب الرواتب والخدمات الأساسية. لذا فالمغزى يتجاوز إخماد حرائق مؤقتة إلى رسالة استمرارية: لن نترك عدن وحكومتها تسقط في العجز الكامل، ولن نسمح بانفلات نقدي يلتهم ما تبقّى من ثقة الناس. هذه رسائل استقرار لا تقل أهمية عن البنود المالية نفسها.
اقتصاديًا، يمكن لهذا الضخ أن يخفّف ضغوط سعر الصرف، ويُهدّئ سوق الوقود، ويمنح المالية العامة فسحة قصيرة لتدبير الرواتب والخدمات. لكنه يظلّ تأثيرًا مشروطًا: إذا لم تُحكم قناة الصرف بحوكمة دقيقة، وإذا لم تُربط الدفعات بمؤشرات أداء وإصلاحات نقدية ومالية، فسنكرّر الدورة ذاتها: دعم، هدنة قصيرة، ثم عودةٌ إلى الاختناق.
على مستوى الموازنة، توزيع الدعم بين دعم مباشر للموازنة، وتمويل مشتقات نفطية، وبنود تشغيلية صحية، يوحي بمقاربة “مزج الأدوات”: منع الانقطاعات الخدمية القاسية، وشراء وقت سياسي واقتصادي لالتقاط الأنفاس. غير أن المزيج نفسه قد يتحوّل إلى"تخفيف أعراض" بدل علاج الأسباب، إن لم يقترن بخطة نقدية- مالية تضبط العجز، وتحد من التمويل التضخمي، وتعيد ترتيب أولويات الإنفاق نحو شبكات أمان اجتماعي وخدمات منتجة.
سياسيًا، الدعم رسالة مزدوجة الاتجاه: إلى الداخل اليمني بأن هناك سندًا إقليميًا لشرعية مؤسسات الدولة، وإلى الفاعلين الإقليميين بأن الرياض ما زالت تمسك بخيوط “الاستقرار الممكن” في الجوار. يقرأها مجلس القيادة الرئاسي كمساحة مناورة إضافية، وتقرأها القوى المحلية كمعطى في ميزان النفوذ. وهنا مكمن التعقيد: كيف لا يتحوّل المال السياسي إلى رافعة تنازع محلي، بدل أن يكون مظلة توازن لبناء مؤسسات قابلة للحياة؟
أمنيًا-خدميًا، بند المشتقات يمنع الانهيارات الدورية في الكهرباء، وهي انهيارات تُحوّل السخط الشعبي إلى وقود سياسي. لكن تجارب السنوات الماضية تقول إن الوقود المدعوم بلا مسطرة شفافية صارمة يتسرّب جزء منه أو يُهدر بلا صيانة منظومات التوليد والتوزيع. الدعم الذي لا يموّل صيانة البنى ويحدّثها، يظل رهينة الشاحنات.
من زاوية علاقة اليمن بالسعودية، يُقرأ الدعم على خلفية طويلة: المملكة هي الداعم الأكبر إنسانيًا وتمويليًا في العقد الأخير، وثقلها ليس محل نزاع. النقد هنا ليس للطبيعة الإنسانية للدعم، بل لهندسة أثره: كيف يتحوّل من “حقن إسعاف” إلى “خطة تعافٍ”؟ كيف يُبنى على هذا الدعم مسار إصلاحات قابلة للقياس، تُفضي إلى تقليص الاعتمادية، لا تأبيدها؟
ثمة بعد أخلاقي في القصة لا يقل شأنًا: المال العام الخارجي حين يلامس الواقع المحلي ينبغي أن يُترجم إلى كرامة خدمات لا إلى أرقام بيانات. ذلك يعني شفافية في الإعلان عن جدول الدفعات، والجهات المنفّذة، ومعايير الشراء والتوريد، ولوحة مؤشرات شهرية تقول للناس: ماذا وصل؟ أين صُرف؟ ما الأثر؟ عندها فقط يتحوّل الدعم إلى عقد ثقة، لا إلى بند خلاف.
ومن منظور دولة تكافح التشظي، لا يكفي أن يصل المال إلى الخزائن؛ يجب أن تعبر قيمته إلى المدارس والمستشفيات والطرقات. هنا دور الحكومة: أن تُظهر قدرة على الامتصاص، لا مجرد الاستلام؛ وعلى ترتيب الأولويات وفق أثرٍ اجتماعي ملموس. الرسالة إلى الرياض كذلك واضحة: النقد هنا نقد محبّ، يريد للدعم أن يصير رافعة بناء، لا استراحة محارب.
يبقى أن نشير إلى أن بيان الخارجية السعودية قدّم الدعم استجابةً لمناشدة رئاسة مجلس القيادة، وتأكيدًا لاستمرار المساندة، وأن القنوات ستكون عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما يشمل دعم الموازنة والمشتقات ومكوّنات تشغيلية محددة. هذا التفصيل مهم لأنه يربط التنفيذ بمنصة لها خبرة تنفيذية، ويتيح – إن أُحسن استخدامه – طبقات إضافية من الحوكمة والشراكة الفنية.
خلاصة الموقف: نشكر ما يُنقذ الناس من العتمة ويُسكّن جوع الموازنة، وننتقد ما قد يعيدنا إلى الدائرة نفسها بعد شهور. الدعم في توقيته ومضمونه فرصة سياسية واقتصادية، لكنه ليس بديلًا عن إصلاحات صعبة، ولا عن سلطة تُحسن ترتيب الأولويات. الطريق الأقصر لصدقية المانح والمتلقي معًا: إعلان مشترك لجدول مؤشرات، وجدولة شفافة للصرف، وربطٌ ذكيّ بين كل دفعة وخطوة إصلاح تقيسها عين الجمهور قبل تقارير المؤسسات.
هذا المقال ليس دعوة للتشكيك في اليد التي امتدّت، بل دعوة إلى أن تُمسك تلك اليد بيدٍ يمنيةٍ تعرف أين تضع المال وكيف تحاسب من يصرفه. عندها فقط يصبح الرقم خبرًا جيدًا، ويصير التوقيت بداية مسار، لا هامشًا في نشرة المساء.
















