في كل عام، تطل علينا ذكرى الرابع عشر من أكتوبر، حاملةً عبق الثورة التي حررت الجنوب من الاستعمار البريطاني بعد أكثر من قرنٍ من القهر، ومعلنةً ميلاد فجرٍ جديدٍ حلم به الآباء الأحرار الذين سطّروا أروع صور النضال والشجاعة.

لكن ما إن تشرق شمس الذكرى، حتى تصطدم آمال الناس بواقعٍ موجعٍ، يكشف أن المسافة بين الحلم الثوري وبين الواقع المعاش قد اتسعت حدَّ الوجع.

لقد قامت ثورة أكتوبر من أجل الكرامة والعدالة وحق الإنسان في العيش الكريم، لا من أجل أن يحتفل الناس بذكراها بينما بطونهم خاوية وجيوبهم فارغة. فما قيمة الاحتفال إذا كان الجائع لا يجد لقمة تسنده، والمقاتل القديم لا يجد ما يعيله؟ أين ثمرة تلك التضحيات التي قدّمها الثوار؟ وأين الوفاء لدمائهم التي روت أرض الوطن؟

ننظر اليوم إلى أحوال من قاتلوا بالأمس، فنجدهم يعيشون التهميش، يتقاضون معاشاتٍ لا تساوي شيئًا أمام جنون الأسعار، وبعضهم لا يتسلّم راتبه أصلًا. هؤلاء الذين صنعوا مجد أكتوبر يعيشون اليوم على الهامش، بينما تتساقط أحلامهم كما تساقطت القيم التي حملوها على أكتافهم ذات فجرٍ ثوريٍّ مشرق.

حتى عدن، تلك المدينة التي كانت يومًا منارةً في التعليم والتجارة والثقافة، غدت اليوم تعاني من الانطفاءات والغلاء وغياب الخدمات. مصافيها التي كانت مفخرةً للمنطقة، وميناؤها الذي كان شريانًا حيويًا للتجارة، تراجعا كما تراجع حال البلاد، فغاب الضوء، وتراجعت العدالة، وتعثّر الأمل.

الانتصار الحقيقي يتمثل في إعادة الحق للناس في العيش الكريم، وصون منجزات الثورة بالعمل لا بالكلام. فالثورة لا تموت حين يُنسى تاريخها، بل حين يُهان صُنّاعها، ويُترك الشعب يلهث خلف رغيف خبزٍ لا يجده.

ختاما: إن كنا نريد أن نحتفي بأكتوبر حقًّا، فلنكرم من ضحّى لأجلنا ولنَبْنِ وطنًا يليق بتضحياتهم، فالأوطان لا تُنهض إلا بالعدل والعمل الجاد، ولا تزدهر إلا بالإخلاص والمسؤولية.