في زمنٍ تتغير فيه المظاهر وتبقى الجوهرية على حالها، لم تعد الحكومات تشبه فكرة "السلطة الوطنية" التي تنبع من إرادة الناس وتعمل لمصلحتهم، بل تحوّلت في كثير من الحالات إلى أطرافٍ صناعية، تُدار وتُحرّك من خارج الجسد الذي يفترض بها أن تخدمه. تتبدّل الأسماء، وتتعدد الشعارات، لكن الشعوب ما زالت تدفع الفاتورة ذاتها — فاتورة الفشل، وغياب العدالة، وضياع الثقة بين الحاكم والمحكوم.

الحكومات المختلفة بأطرافها الطبيعية لم تعد كذلك، فالغالـب أنها أطراف صناعية، بقدراتٍ خاصة تم دمجها في مجتمعاتنا على امتدادها. حكمت فلم تعدل، ولم توفّر الأمن المعيشي للمواطنين، وتجيء وتغادر إلى مراكز ودول صُنّاع القرار الدولي، تحتفي وتشارك وتشاور باسمنا وعلى حسابنا وحساب أجور من الآخرين. تمتلك الموارد، وتتعامل وفقًا لذلك أمام الغير باسم المواطنين، على أنهم في الغالب هم حكّامٌ لهم! يأخذون الضرائب والعشور والمساهمات للسلطات المحلية والأوعية الإيرادية، باسم حكومة لا تولي رعايتها لشعبها ما دامت لا تدرك قيمة من تحكم. ذلك إخلالٌ بالعقد السياسي والاجتماعي والقانوني الذي منحها إياه العالم حين اعترف بها، وترك الناس إلى يومنا هذا بلا حراك، يحمل كلٌّ منهم همومه ومشاكله ومشاكل تلك الحكومات المتعاقبة الفاشلة وهيئاتها. أولئك المسؤولون الذين يرتدون البدلات الرسمية والأناقة التي أصبحت سمةً لحياتهم اليومية، وحين تبحث عن أحدهم تجده يتحدث معك كأنه في برجٍ عالٍ فلا يهتم ولا يصغي.

اليوم نغرق في مشاكلنا وهمومنا ومديونيات يعلم بها الله، في انتظار انفراجة بسيطة تزيح عنّا نزرًا يسيرًا من أثقالنا، لنعود بعدها إلى نفس الحلقة الضيقة. وفي هذا الوقت هناك من يستفيد من غيابنا، من استغراقنا في الانتظار، فيعيش تحوّله الخاص، يترقى في المناصب، ينال الشهادات والأوسمة والنياشين، مستغلًا حالة الانشغال التي أبعدت أعيننا عنهم ونحن نحسب الغدَ خلاصًا. وهكذا يستمر المشهد في دوامة من العبث، تتبدل الوجوه ولا تتبدل الأحوال، وتبقى الشعوب في موقع المتفرّج على مسرحٍ لا يملك تذكرة خروجه منه. تتغير الشعارات وتُعاد صياغة الخطابات، لكن المضمون واحد، يعبّر عن نفس العقلية التي ترى في الحكم غنيمة لا أمانة، وفي المواطن وسيلة لا غاية.

نُستخدم كأرقام في سجلات الانتخابات، وكواجهةٍ في صور الاحتفالات، وككبش فداءٍ في الأزمات، ثم نُترك نواجه مصيرنا المجهول بلا حمايةٍ ولا كرامةٍ ولا أملٍ واضح. أصبح الفساد ذكيًّا، يرتدي بدلةً رسمية، ويتحدث بلغة القانون، ويوقّع بيده قراراتٍ ظاهرها المصلحة العامة وباطنها مصالح شخصية لا تُخطئها العين. وحين نحاسبهم على ما اقترفوه، يُقال لنا: "هكذا هي السياسة!"، وكأن السياسة باتت رخصةً للنهب والتجويع والخذلان. لقد انتهى زمن الأعذار، ولم يعد فينا ما يُحتمل من الوعود المتكرّرة والبرامج الفاشلة والخطط الورقية.

ما نحتاجه اليوم ليس حكومة جديدة، بل عقلًا جديدًا للحكم، وفهمًا مختلفًا لمعنى المسؤولية، وضميرًا لا يُشترى ولا يُؤجر. فالشعوب التي تُهمل لا تموت، لكنها تترقّب لحظة صحوة، لحظة وعيٍ تُعيد ميزان العدالة إلى نصابه، وتُسقط الأقنعة عن كل من تزيّن على حسابها.

ربما آن الأوان أن تُراجع الشعوب صمتها، وأن تُدرك أن استبدال الأسماء لا يصنع التغيير ما لم يتغيّر جوهر الحكم نفسه. فالأوطان لا تُبنى بالتصريحات ولا بالمظاهر، بل بصدق النية وعدالة الفعل، وبأن يعود الحاكم خادمًا لا متسلطًا، يسمع صوت الناس لا صدى نفسه.