> "الأيام" غرفة الأخبار:

  • جهود سعودية لتطوير الاستخبارات داخل التحالف الإسلامي العسكري
في خطوة تشير إلى تحول نوعي في منهجية العمل الأمني المشترك، جاء إطلاق البرنامج المتخصص في الاستخبارات التكتيكية ضمن إطار التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب باعتباره محطة مفصلية في مسار تعزيز القدرات الجماعية للدول الأعضاء، وبناء منظومة استباقية قادرة على التعامل مع التهديدات المتغيرة قبل أن تتحول إلى أزمات ميدانية فعلية. لم يعد التعامل مع الإرهاب يقتصر على ردود الأفعال التقليدية، بل أصبح يرتكز على فلسفة جديدة تقوم على جمع المعلومة وتحليلها وتحويلها إلى أداة تأثير فاعلة في توجيه القرار.

ويحمل تنظيم البرنامج من مقر التحالف في الرياض دلالات سياسية وأمنية عميقة، أبرزها أن الاستثمار في العنصر البشري بات يمثل حجر الزاوية في أي استراتيجية حديثة لمواجهة التحديات الأمنية. فالبيئة الإقليمية والدولية تشهد تحولات متسارعة، وتفرض على الدول إعادة صياغة مفاهيم الجاهزية والاستعداد، ليس عبر تحديث العتاد فقط، بل عبر بناء عقول قادرة على فهم التهديدات المعقدة وتشريحها والتنبؤ بمساراتها.

ويمتد البرنامج لخمسة أيام، بمشاركة اثنين وعشرين متدربًا يمثلون إحدى عشرة دولة من أقاليم جغرافية متعددة، من غرب إفريقيا إلى جنوب وشرق آسيا مرورًا بالفضاء العربي. هذا التنوع الجغرافي لا يعكس فقط اتساع رقعة التهديدات الإرهابية، بل يعبّر عن إدراك متزايد بأن الإرهاب لم يعد شأنًا محليًّا، وإنما ظاهرة عابرة للحدود، تتطلب استجابة جماعية تتجاوز الاعتبارات الوطنية الضيقة نحو أفق أوسع من الشراكة والتنسيق.

وتتجلى أهمية البرنامج في طبيعة محاوره التي تركز على الاستخبارات التكتيكية بوصفها العمود الفقري لأي عملية ناجحة في مكافحة الإرهاب. فالدورة لا تكتفي بطرح المفاهيم النظرية، بل تعمّق الفهم العملي لمراحل العمل الاستخباراتي التي تبدأ بجمع المعلومات من مصادر متنوعة، ثم تحليلها وفق منهجيات علمية، وصولًا إلى إنتاج مخرجات يمكن البناء عليها في صناعة القرار. وفي عصر أصبحت فيه البيانات ثروة استراتيجية، يكتسب امتلاك أدوات تحويل المعلومات الخام إلى معرفة قابلة للاستخدام قيمة لا تقل عن امتلاك القوة العسكرية.

ويركز البرنامج كذلك على مهارات دعم اتخاذ القرار، وهي من أكثر المجالات حساسية في العمل الأمني المعاصر. فصناع القرار في المؤسسات الأمنية والعسكرية يحتاجون إلى معلومات آنية، وتحليلات دقيقة، وتقديرات مبنية على أسس موضوعية، بعيدًا عن الانطباعات العابرة. ويمنح هذا الجانب من التدريب المشاركين القدرة على صياغة خيارات متعددة أمام القيادات، مع تقدير المخاطر والفرص واحتمالات التصعيد أو الاحتواء، بما يعزز من جودة القرارات المتخذة في البيئات المعقدة.

ولا يقل محور المراقبة والاستطلاع أهمية عن بقية المحاور، إذ يضع المتدربين أمام أحدث الأساليب المستخدمة في رصد البيئات المضطربة. فقد أثبتت التجارب الدولية أن المراقبة الدقيقة والمستمرة تمثل خط الدفاع الأول ضد التهديدات المحتملة. كما أن التطور التكنولوجي، ولاسيما في مجال الطائرات غير المأهولة وأنظمة الاستشعار المتقدم، غيّر طبيعة العمل الاستخباراتي جذريًّا. ويتيح هذا التدريب للمشاركين فهمًا عمليًّا لكيفية دمج المعلومات الواردة من مصادر متعددة ضمن صورة استخباراتية موحدة.

وفي جانب آخر، يركز البرنامج على تنمية مهارات تحليل المعلومات وتقدير المواقف، وهي مهارات باتت تشكل فارقًا حاسمًا في زمن تدفق البيانات بكثافة غير مسبوقة. فالمعلومة ذاتها لا تملك قيمة ما لم تُفسَّر في سياقها الصحيح. ويساعد هذا التدريب المشاركين على قراءة الأنماط السلوكية للجماعات المتطرفة، وتحديد نقاط ضعفها، واستشراف سيناريوهات تحركاتها المستقبلية، بما يسهم في تعزيز القدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.

كما يتضمن البرنامج محورًا متقدمًا يتعلق ببناء النماذج العملياتية المستخدمة في العمل الاستخباراتي، وهي أدوات تحليلية تساعد على تحويل المعطيات المجردة إلى تصورات عملية للواقع. وتمثل هذه النماذج مؤشرًا على نضج المؤسسات الأمنية، إذ تعكس انتقالها من التقديرات العفوية إلى العمل المبني على منهجيات علمية دقيقة. ومن خلال هذا المحور، يتعلم المتدربون كيفية تصميم نماذج تتناسب مع سيناريوهات متنوعة، سواء في مكافحة الإرهاب، أو مواجهة التهديدات غير التقليدية، أو مراقبة التحركات الميدانية.

ولا يقتصر تأثير هذا البرنامج على تطوير مهارات الأفراد، بل يتعداه ليؤسس لنواة تكامل استخباراتي أوسع بين الدول الأعضاء. فالتقاء متدربين من خلفيات مختلفة يخلق بيئة خصبة لتبادل الخبرات وبناء الثقة، ويساهم في صياغة فهم مشترك لطبيعة المخاطر والتحديات. كما يعزز من قدرة الدول على تنسيق جهودها وتبادل المعلومات بشكل أكثر فاعلية، وهو ما يشكل أحد الأهداف الجوهرية للتحالف الإسلامي العسكري.

ويأتي إطلاق البرنامج في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تطور طبيعة الجماعات الإرهابية نحو أنماط لامركزية تعتمد على خلايا صغيرة واتصالات مشفرة واستخدام مكثف للتكنولوجيا الحديثة. كما تشهد مناطق عدة بوادر عودة للنشاط الإرهابي، خصوصًا في أجزاء من إفريقيا وجنوب آسيا، بالتزامن مع فراغات أمنية في بعض المناطق. هذه التحولات تفرض على الدول المعنية ضرورة التحرك السريع لتطوير أدواتها الاستخباراتية، وهو ما يجعل من هذا البرنامج خطوة استراتيجية بالغة الأهمية.

وتؤكد استضافة الرياض لهذا البرنامج الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في قيادة الجهود الجماعية لمكافحة الإرهاب، وفي بناء شبكات تعاون فعالة بين الدول الإسلامية. فالمواجهة الحديثة لا تقوم فقط على استخدام القوة، بل تعتمد على التفوق في ساحة الصراع غير المرئية، حيث تشكل المعلومة الدقيقة والقدرة على تحليلها العامل الحاسم في حسم المعركة.

وفي المحصلة، يمثل برنامج الاستخبارات التكتيكية جزءًا من رؤية شاملة تهدف إلى ترسيخ دور الاستخبارات باعتبارها الركيزة الأساسية في منظومة مكافحة الإرهاب. ويعكس هذا المسار إدراكًا متزايدًا بأن التحديات الراهنة لا يمكن مواجهتها بأدوات تقليدية أو ضمن أطر منفردة، بل عبر استثمار طويل الأمد في العنصر البشري، وبناء أدوات تحليل متطورة، وإقامة منصات تعاون مستدامة.

وبذلك، يشكل هذا البرنامج خطوة عملية نحو بناء بنية استخباراتية أكثر تكاملًا بين دول التحالف، قادرة على الاستجابة للتهديدات بكفاءة عالية، وعلى ترسيخ أسس تعاون طويل الأمد يواكب متطلبات المرحلة، ويعزز من فرص الاستقرار والأمن في العالم الإسلامي.