لم يحظَ أحد من القيادات العسكرية في جيش اليمن الديمقراطية بشعبية كتلك التي حظيت بها شخصيتان عسكريتان في مطلع التسعينات، عقب تحقيق الوحدة، وكانتا من بين الأكثر نزاهة ومبدئية: ماجد مرشد سيف، ومحمود أحمد سالم الصبيحي. الأول استُشهد في قلب صنعاء، عاصمة دولة الوحدة التي رفع علمها قبل إعلان قيامها، أما الثاني فقد دار به الزمن حتى انتهى اليوم عضوًا في مجلس الرئاسة الثماني؛ عضوًا رئاسيًا في مرحلة انعدام وزن وطني شامل، أعقبت عقدًا متصلًا من الحروب والتشظي والانكسارات الكبرى، حيث تآكلت المعايير واختلطت الأدوار.
وحتى ما يُقال عن اندفاعه وجرأته، لا يُقرأ بوصفه خللًا في الشخصية، بقدر ما يُفهم باعتباره انعكاسًا لنزاهة نادرة واستقامة داخلية، غالبًا ما تُساء قراءتها في البيئات السياسية المأزومة، حيث يُكافأ التحايل أكثر مما تُكافأ الصراحة، ويُعاد تأويل الوضوح على أنه تهوّر.
دار الزمن دوراته، وتبدّلت المسميات، وطُويت مراحل لتُفتح أخرى، وتغيّرت مواقع الأشخاص واتجاهاتهم، ومع ذلك بقي محمود الصبيحي مثالًا للأصالة الشخصية، محتفظًا باحترام أصدقائه وخصومه على السواء. وفي بلد اعتاد أن يلتهم رموزه أو يعيد تدويرهم وفق مقتضيات اللحظة، ظل الصبيحي في موقعه المعنوي، لا يتقدّم الصفوف طلبًا، ولا يُقصى عنها خصومة، وكأن حضوره محكوم بمنطق الدولة لا بمنطق اللحظة.
في هذا السياق، استمر الصبيحي نموذجًا لجندي الدولة لا جندي السلطة؛ حاضرًا حين يُستدعى، وغائبًا عن أسواق المزايدات السياسية. لم يبنِ نفوذًا عبر التحالفات العابرة، ولم يصنع لنفسه سردية بطولية مصطنعة، بل راكم احترامًا صامتًا عبر سيرة مستقيمة، تتقدّم فيها الفكرة على المكسب، والانتماء الوطني على الحسابات الضيقة.
بهذا الذكر الصريح، لم يعد الاسم مجرد تعريف بشخص، بل تحوّل إلى عنوان قانوني لانتهاكٍ سيادي مباشر، يُجسّد لحظة انتقال الدولة من موقع الفعل إلى موقع المطالبة بالحدّ الأدنى من الاعتراف.
ولهذا، لا تُعدّ هذه السابقة مألوفة في تاريخ قرارات مجلس الأمن؛ إذ نادرًا ما يُدرج اسم مسؤول بعينه في قرار ملزم لا بقصد العقوبة، بل للمطالبة بحريته بوصفها استحقاقًا مرتبطًا بشرعية الدولة ذاتها، لا بوضعه الشخصي أو السياسي.
بهذا المعنى، لم تكن قضية الصبيحي حادثة أسر في سياق حرب، بل علامة فاصلة كشفت أن الانقلاب لم يستهدف خصومًا سياسيين فقط، بل استهدف فكرة الدولة ذاتها، بوصفها حاضنة للشرعية ومرجعية للقوة. فقد أُعيد تعريف السلاح، من أداة لحماية النظام العام، إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة خارج أي إطار قانوني، وهو ما أفرغ مفهوم السيادة من مضمونه، وحوّلها إلى صراع إرادات عارية من الضبط المؤسسي.
ولذلك، لا يمكن فهم اختطاف الصبيحي إلا ضمن هذا الانقلاب المفهومي على معنى الدولة: انقلاب لا يُقصي الأشخاص فحسب، بل يُطيح بالقواعد التي تجعل من القوة وسيلة لبناء النظام، لا لهدمه.
وفي بلد أنهكته الأصوات العالية، تبقى الشخصيات الهادئة، مثل الفريق الركن محمود الصبيحي، تذكيرًا بأن ما يبقى بعيدًا عن التلف هو السيرة الناصعة التي تحرس نفسها، ولا تحتاج من صاحبها أن يكرّس عمره لحراستها، خصوصًا في لحظة وطنية تُستعاد فيها الدولة من هوامش الغلبة إلى مركز الشرعية والمعنى.
وحتى ما يُقال عن اندفاعه وجرأته، لا يُقرأ بوصفه خللًا في الشخصية، بقدر ما يُفهم باعتباره انعكاسًا لنزاهة نادرة واستقامة داخلية، غالبًا ما تُساء قراءتها في البيئات السياسية المأزومة، حيث يُكافأ التحايل أكثر مما تُكافأ الصراحة، ويُعاد تأويل الوضوح على أنه تهوّر.
دار الزمن دوراته، وتبدّلت المسميات، وطُويت مراحل لتُفتح أخرى، وتغيّرت مواقع الأشخاص واتجاهاتهم، ومع ذلك بقي محمود الصبيحي مثالًا للأصالة الشخصية، محتفظًا باحترام أصدقائه وخصومه على السواء. وفي بلد اعتاد أن يلتهم رموزه أو يعيد تدويرهم وفق مقتضيات اللحظة، ظل الصبيحي في موقعه المعنوي، لا يتقدّم الصفوف طلبًا، ولا يُقصى عنها خصومة، وكأن حضوره محكوم بمنطق الدولة لا بمنطق اللحظة.
- جندي الدولة لا جندي السلطة
في هذا السياق، استمر الصبيحي نموذجًا لجندي الدولة لا جندي السلطة؛ حاضرًا حين يُستدعى، وغائبًا عن أسواق المزايدات السياسية. لم يبنِ نفوذًا عبر التحالفات العابرة، ولم يصنع لنفسه سردية بطولية مصطنعة، بل راكم احترامًا صامتًا عبر سيرة مستقيمة، تتقدّم فيها الفكرة على المكسب، والانتماء الوطني على الحسابات الضيقة.
- حين يتحول الاسم إلى عنوان شرعي دولي
بهذا الذكر الصريح، لم يعد الاسم مجرد تعريف بشخص، بل تحوّل إلى عنوان قانوني لانتهاكٍ سيادي مباشر، يُجسّد لحظة انتقال الدولة من موقع الفعل إلى موقع المطالبة بالحدّ الأدنى من الاعتراف.
ولهذا، لا تُعدّ هذه السابقة مألوفة في تاريخ قرارات مجلس الأمن؛ إذ نادرًا ما يُدرج اسم مسؤول بعينه في قرار ملزم لا بقصد العقوبة، بل للمطالبة بحريته بوصفها استحقاقًا مرتبطًا بشرعية الدولة ذاتها، لا بوضعه الشخصي أو السياسي.
- الدولة حين تفقد احتكار القوة
بهذا المعنى، لم تكن قضية الصبيحي حادثة أسر في سياق حرب، بل علامة فاصلة كشفت أن الانقلاب لم يستهدف خصومًا سياسيين فقط، بل استهدف فكرة الدولة ذاتها، بوصفها حاضنة للشرعية ومرجعية للقوة. فقد أُعيد تعريف السلاح، من أداة لحماية النظام العام، إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة خارج أي إطار قانوني، وهو ما أفرغ مفهوم السيادة من مضمونه، وحوّلها إلى صراع إرادات عارية من الضبط المؤسسي.
ولذلك، لا يمكن فهم اختطاف الصبيحي إلا ضمن هذا الانقلاب المفهومي على معنى الدولة: انقلاب لا يُقصي الأشخاص فحسب، بل يُطيح بالقواعد التي تجعل من القوة وسيلة لبناء النظام، لا لهدمه.
- خاتمة
وفي بلد أنهكته الأصوات العالية، تبقى الشخصيات الهادئة، مثل الفريق الركن محمود الصبيحي، تذكيرًا بأن ما يبقى بعيدًا عن التلف هو السيرة الناصعة التي تحرس نفسها، ولا تحتاج من صاحبها أن يكرّس عمره لحراستها، خصوصًا في لحظة وطنية تُستعاد فيها الدولة من هوامش الغلبة إلى مركز الشرعية والمعنى.



















