عندما اجتاح الحوثيون مدينة عدن في عام 2015، لم يكن الجنوب أمام ترف الخيارات السياسية أو الحسابات التنظيمية، بل أمام امتحان وجودي حاسم. في تلك اللحظة الفارقة لم تكن المؤسسات هي التي سبقت إلى الميدان، بل سبق الرجال.

وسط ذلك المشهد المشتعل، برزت مجموعة من الشباب الجنوبيين المغتربين في المملكة العربية السعودية، الذين تركوا أعمالهم واستقرارهم ومصالحهم، مدفوعين بتقدير كبير للمملكة وقيادتها، وبشعور عميق بالمسؤولية تجاه وطنهم الجنوب. لم ينتظروا قرارًا رسميًا، ولم يسعوا إلى مكاسب شخصية، بل استجابوا لنداء الأرض والكرامة، وعادوا إلى عدن لينخرطوا في صفوف المقاومة الجنوبية، مشكّلين نواة عسكرية حملت اسمًا ذا دلالة خاصة: كتيبة سلمان.

لم يكن اسم “سلمان” مجرد عنوان عسكري عابر، بل حمل في طياته أبعادًا سياسية ومعنوية واضحة. كان رسالة وفاء للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، ورسالة تقدير لدورها في معركة تحرير عدن، وتأكيدًا على أن العلاقة مع هذا التحالف تُفهم بوصفها شراكة مصير لا تحالف ظرفي. هذا البعد الرمزي منح الكتيبة حضورًا معنويًا واسعًا في المجتمع الجنوبي، لا سيما أن أفرادها كانوا من أوائل من اندفعوا إلى خطوط المواجهة في أصعب مراحل المعركة.

بحسب شهادات ميدانية متداولة وموثقة بين أبناء عدن ومحافظات الجنوب، كانت كتيبة سلمان في مقدمة المواجهات داخل المدينة، وأسهمت في تثبيت خطوط التماس خلال المراحل الأولى للتحرير، وكانت جزءًا من القوة التي حالت دون سقوط عدن بالكامل بيد الحوثيين. لم تمتلك الكتيبة ماكينة إعلامية تروّج لدورها، ولم تحظَ بحضور دعائي لافت، لكنها كانت حاضرة في الميدان، تؤدي واجبها بصمت في وقت كانت فيه المعركة على أشدها.

مع استقرار الأوضاع نسبيًا، بدأت عملية إعادة تشكيل القوات العسكرية والأمنية في الجنوب. جرى دمج عدد من التشكيلات وإعادة هيكلة أخرى ومنحها أطرًا رسمية. غير أن كتيبة سلمان – وفق ما يتداوله منتسبوها وأنصارها – لم تنل نصيبها من الإنصاف الإداري أو المالي أو الاعتباري.

وهنا تبرز تساؤلات مشروعة: لماذا لم تُدمج الكتيبة رسميًا ضمن التشكيلات المعتمدة؟ هل لعب اسمها دورًا في حساسية سياسية ما؟ هل كان غياب الغطاء السياسي المنظم سببًا في تراجع حضورها؟ أم أن إعادة ترتيب المشهد العسكري أفرزت اختلالات إدارية طالتها دون قصد؟

صحيح أن غالبية منتسبي الكتيبة من أبناء يافع، لكن القضية لا ينبغي اختزالها في إطار مناطقي ضيق. المسألة في جوهرها تتعلق بمبدأ العدالة والاعتراف بالدور التاريخي في لحظة مفصلية. فالدول تُقاس بوفائها لمن ضحوا من أجلها، وبقدرتها على توثيق تلك التضحيات وصون حقوق أصحابها. واحترام من حملوا السلاح في زمن الخطر هو الأساس الذي تُبنى عليه مؤسسات راسخة.

إن إنصاف كتيبة سلمان لا يعني فتح أبواب صراع أو استدعاء حساسيات قديمة، بل يعني تثبيت مبدأ بسيط وواضح: من لبّى نداء الوطن لا يُنسى. فهل خضع ملف الكتيبة لمراجعة رسمية؟ وهل وُثّق دورها ضمن سجلات التحرير؟ وهل مُنح أفرادها حقوقهم أسوة بغيرهم؟ وإن لم يحدث ذلك، فما هي الآلية المؤسسية العادلة لمعالجة هذا الملف بعيدًا عن الانفعال والعاطفة؟

اسم سلمان في الوجدان الجنوبي ليس مجرد اسم قائد، بل عنوان مرحلة مفصلية في تاريخ الجنوب الحديث. وعندما يُرفع هذا الاسم في ساحة المعركة، فإنه يتحول إلى رمز للشرف والمسؤولية. إنصاف كتيبة سلمان هو إنصاف لذاكرة مرحلة كاملة، وتكريس لثقافة الوفاء، ورسالة تقدير لمن تقدموا الصفوف في وقتٍ كان فيه التردد سيد الموقف لدى كثيرين.