- فتح المغرب العربي
فتح عقبة بن نافع"إفريقية" وبقية المغرب لا يثبت إلا بأمرين وقد أيقن بشيئين، أولهما: إنشاء مركز للمسلمين تعسكر فيه جيوشهم، ويأمنون فيه على أموالهم ونسائهم وذراريهم، ومنه يخرجون للغزو، بدلا من العودة في كل مرة إلى"فسطاط" مصر.
وثانيهما: غزو البربر أنفسهم، والتوغل في قلب بلادهم، وإدراكهم في منازلهم في الهضاب والجبال والصحراء، بدلا من الاكتفاء بغزو مدائن الساحل ثم العود إلى"الفسطاط"؛ لأن المسلمين لا يكادون ينصرفون عن هذه البلاد حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه، لاتصال هذه المناطق عن طريق البحر بالبيزنطيين، تتلقى منهم الإمدادات، وكانوا -كما وصفهم عقبة نفسه- "إذا دخل عليهم أميرا أطاعوا، وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا، وارتد من أسلم".
تلك كانت الخطة التي وضعها عقبة بن نافع، وأراد أن ينفذها على مرحلتين، لكنه إذا كان قد نجح في أن ينفذ المرحلة الأولى ببناء مدينة القيروان فإنه كان ما كاد يشرع في تنفيذ المرحلة الثانية حتى رأت الخلافة أن تعهد بقيادة الجيوش الإسلامية في “إفريقية” إلى قائد آخر هو “أبو المهاجر دينار”. وسيأتي الحديث عن ذلك بعد قليل.
وجه معاوية بن أبي سفيان إلى عقبة -وهو في مستقرة ببرقة وزويلة- عشرة آلاف فارس - من بينهم خمسة وعشرون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضم عقبة إليهم من أسلم من البربر. وقد كان لطول الفترة التي قضاها هذا القائد في مناطق برقة وصحراء زويلة وطرابلس، وتتابع حملاته على هذه النواحي “من 22هـ- إلى 49هـ” أثر كبير في دخول بعض أهلها في الإسلام. وكان في ضمه لهم إلى الجيش دليل على أن هؤلاء أحسوا بحلاوة الإسلام، وعرفوا ضرورة الجهاد.
وفي مسيره إلى إفريقية اتخذ عقبة طريقه في داخل البلاد، مباعدا عن الساحل وقد اتخذ هذه الخطة في كل أعماله، سواء في هذه الغزوة أو فيما بعدها. وربما كان دافعه إلى ذلك هو أن الطريق الداخلي المقفر لا تكون فيه إلا مقاومة ضئيلة من القبائل البربرية وسكان الواحات. أما الإقليم الساحلي فهو مليء بالحصون والمسالح.
وبعد أن أتم عقبة إخضاع أقاليم الواحات في صحروات جنوب “طرابلس” مثل -“ودان” و”فزان” و”غدامس”- توجه إلى بلاد الجريد “جنوب البلاد التونسية”، وأخضع كل واحاتها، وافتتح “قفصة” و”قسطيلة”. ثم أفضى إلى “قمونية” قلب إفريقية البيزنطية، “وهو الموضع الذي عسكر معاوية بن حديج فيه من قبل”، فوقع اختياره عليه، ليقيم فيه المدينة التي عقد العزم على بنائها.
تأسيس القيروان:
وفي “قمونية” -وفي هذا القطر الفسيح الذي يطل على البحر- بدأ عقبة بن نافع في اختيار موقع المدينة الجديدة٢. ولقد أحسن الاختيار بشهادة جميع المؤرخين؛ إذ راعى أن تكون المدينة في موضع متوسط بين الساحل والجبل، بحيث تكون بعيدة عن كل من ساحل البحر والجبل “جبل أوراس” بمسيرة يوم، وهو مدة كافية للابتعاد عن خطر المفاجأة من غزو بيزنطي بحري، أو من هجوم بربري يأتي من الجبل. كما أنه حرص على أن تكون في موقع يتمتع بوفرة المياه والمرعى والأرض الصالحة للزراعة.
وقد عمرت “القيروان” بمختلف الأبنية، وقامت فيها الأسواق، وأمها الناس من جميع الجهات، وعظم قدرها جدا، وقدر لها أن تصبح من أكثر المراكز الإسلامية بركة على الإسلام وأهله، وتحولت بسرعة إلى قاعدة سياسية ودينية وفكرية للإسلام في إفريقية. ولعل دعوة عقبة بن نافع قد استجيبت حينما دعا لهذه المدينة بعد اكتمالها بأن تكون عزا للإسلام وموئلا للعلم والعلماء فقال: “اللهم املأها فقها، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك، وذلا على من كفر بك، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض”.
أنفق عقبة في تخطيط المدينة وبنائها أربع سنوات كاملة دون أن ينصرف إلى عمل آخر من أعمال الفتوح، باستثناء بعض السرايا التي كان يرسلها إلى المناطق المجاورة. وقد أبدى بعض المؤرخين دهشتهم من أن المسلمين أنفقوا هذا الوقت الطويل مطمئنين من هجوم الروم عليهم، مع أن “قرطاجنة” -عاصمة الروم- لم تكن تبعد عن “القيروان” أكثر من مسيرة ثلاثة أيام. وقد عللوا ذلك بأن الروم كانوا -إذ ذاك في شغل عن"إفريقية" وغيرها من ولاياتهم بمدافعة هجمات المسلمين- في الشرق -على القسطنطينية وبعض جزر البحر المتوسط القريبة منها، خلال السنوات من “49هـ” إلى “54”، فانقطعت الأمداد عن الروم بإفريقية طوال هذه المدة وعدة سنوات بعدها.
لقد أنشأ عقبة للمسلمين قاعدة يحكم فيها البلاد التي يفتحها وتصدر منها الغزوات. ومعنى هذا أنه -بعمله هذا- قد جعل “إفريقية” ولاية إسلامية جديدة، لأنه ما دام قد أنشأ بها مسجدا ودارا للإمارة فقد أصبحت المنطقة كلها جزءا من الدولة الإسلامية، ولا يجوز بعد ذلك للمسلمين أن يتخلوا عنها، وبالفعل كان من الممكن -قبل ذلك- أن ينسحبوا من “إفريقية” إلى “برقة” أو إلى مصر كما كانوا يفعلون. أما الآن فلا بد لهم أن يثبتوا في هذه الناحية، وإن فقدوها -لسبب ما- فيجب عليهم أن يستعيدوها مرة أخرى، لأنها جزء من الديار الإسلامية: وكما أفادت هذه المدينة حركة الفتوح الكبرى من الناحية العسكرية فقد أفادت أيضا في العمل على نشر الإسلام والعروبة في المغرب. وهذا هو الغرض الأساسي من الفتوح، وذلك حينما سنحت الفرصة للاتصال السلمي بين البربر والعرب والمقيمين بالمدينة في الفترات التي تتوقف فيها الحروب؛ الأمر الذي ساعد على تقبل بعض البربر للدين الجديد باقتناع دون أي شبهة اضطرار. وقد زاد هذا الأمر أهمية أن الكثيرين من هؤلاء البربر الذين أسلموا أخذوا ينتظمون في جيوش المسلمين، ويسيرون معهم لإتمام فتح البلاد.
ثالثا: ولاية عقبة بن نافع الثانية ومحاولة فتح المغرب الأقصى “62-64هـ/ 681-684م”.
عاد عقبة إلى “القيروان” مرة أخرى في “62-64هـ/ 681-684م”، ثم بدأ منها حملة كبرى تختلف عن كل الحملات السابقة. إذ أنه ساح في كل صحراوات المغربين -الأوسط والأقصى- حتى وصل إلى سواحل “السوس الأقصى” على البحر المحيط. وقبل الخروج من القيروان قرر عقبة أن يترك فيها حامية عسكرية قدرت بستة آلاف رجل، للدفاع عن المدينة، وحماية ما بها من الذراري والأموال، واختار “زهير بن قيس البلوي” قائدا عليها، ثم بدأ حملته الكبرى بهمة عالية، وعزيمة لا تفتر، حبا في الجهاد، وتوقا إلى الاستشهاد، وأملا في الانتهاء من فتوحات المغرب التي طال أمدها.
وعلى إثر هذه المشورة انحدر عقبة إلى جنوب المغرب الأقصى، حيث مواطن “صنهاجة” الملثمين وهم يومئذ وثنيون لم يدينوا بالنصرانية، وبهذا يكون عقبة بن نافع قد أتم فتح بلاد المغرب، ونجح في التغلب على كل الجموع التي تصدت له، وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الفتح بصورة كاملة تقريبا.
بدأ عقبة رحلة العودة إلى القيروان، فاتخذ طريقه نحو “طنجة” لكي يعود إلى “المغرب الأوسط” وعندما وصل إلى “بلاد الزاب” في “بلاد الجزائر” -وعند بلدة “طبنة” “وعلى مسيرة ثمانية أيام من القيروان”- بعث بمعظم جنده إلى القيروان على عجل ولم يبق معه إلا جزءا صغيرا من الجيش يقدر بخمسة آلاف بدون مدد، فهاجمه البربر بنحو 50 ألف مقاتل واستشهد.
ويعتبر بحق من أعظم قادة الفتح الإسلامي، وواحد من أكبر بناء الدولة الإسلامية. ولا يقارن في هذا المجال إلا بالقائد الكبير “قتيبة بن مسلم الباهلي” الذي تولى مهمة الفتوح في الجناح الشرقي لدولة الإسلام، وكان "عقبة" و ”قتيبة” متعاصرين، واحد منهما وصل بحدود دولة الإسلام إلى أقصاها غربا، والثاني وصل بها إلى أقصاها شرقا.















