> "الأيام" خاص:
- المجتمع المدني.. من التنفيذ إلى إعادة التموضع داخل القرار
- ملف الطفولة.. اختبار حقيقي لمنظومة الأمن الاجتماعي
- تحوّل مؤسسي يعيد تعريف دور الوزارة وفلسفة عملها
- هل ينجح الوزير في إعادة ضبط مشهد العمل الإنساني
منذ توليه مهامه، يقود وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، مختار اليافعي، حراكًا مؤسسيًا ومجتمعيًا، تبلورت من خلاله ملامح استراتيجية شاملة تعكس توجهًا جادًا لإعادة تعريف دور الدولة، وصياغة العلاقة بين الحكومة والمنظمات المحلية والدولية، ضمن مسار يستهدف الانتقال من الإغاثة المؤقتة إلى بناء نظام اجتماعي مستدام.
ففي بلدٍ أنهكته الحرب، وتداخلت فيه مسارات العمل الإنساني بلا إطارٍ منظم، تراجعت مؤسسات الدولة عن أداء دورها وتقديم خدماتها، فيما تمدّد حضور المنظمات الإنسانية لملء الفراغ، متحملةً مسؤولياتٍ وطنية وإنسانية فرضتها قسوة المرحلة.
غير أن غياب إطار جامع لهذه الجهود أفرز نمطًا يعتمد على الإغاثة العاجلة أكثر من التنمية طويلة الأمد، وخلق تشوهات في سوق العمل، إلى جانب هشاشة اجتماعية متزايدة، خصوصًا في أوساط الأطفال والفئات الأكثر ضعفًا.
ومع تعدد الفاعلين وتباين أولوياتهم، بات غياب التنسيق أحد أبرز التحديات، وهو ما دفع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى السعي لإعادة ضبط هذا المشهد ضمن رؤية أكثر تنظيمًا واستدامة.
- شراكة بضوابط جديدة
لم يعد الأمر مقتصرًا على تنسيق الجهود، بل اتجه إلى وضع معايير تنظّم هذا التعاون، تقوم على مواءمة المشاريع مع خطط الحكومة وتوجهاتها، بما يحدّ من الازدواجية ويعزّز التكامل المؤسسي.

وأكد الوزير في أكثر من مناسبة على ضرورة أن يكون العمل الإنساني منظمًا ضمن إطار وطني واضح، يضمن توجيه التدخلات نحو الأولويات الوطنية، مع تعزيز الشفافية وقياس الأثر، بما يعكس تحولًا في دور الوزارة من جهة إشرافية إلى جهة تقود مسار العمل الاجتماعي والتنموي.
وبقراءة أعمق لهذا التحول، فإنه يعكس انتقالًا من نموذج “تعدد الفاعلين” إلى نموذج “وحدة المرجعية”، حيث تسعى رؤية الوزارة إلى إعادة ضبط المجال المدني الذي اتسم، خلال سنوات الحرب، بالتشظي والتوسع غير المنظم، وهو ما أدى إلى تشتت التدخلات الإنسانية والتنموية، وأضعف جسور الثقة مع الشركاء الدوليين والجهات المانحة.
وعمليًا، فإن هذه المراجعة تعني تقليص هامش العمل العشوائي، مقابل تعزيز دور الجهات الحكومية كمحدد للأولويات، عبر توجيه نطاق التدخلات نحو المناطق الأكثر احتياجًا، وفق توزيع جغرافي عادل قائم على بيانات وإحصاءات دقيقة، تضمن تحسين الاستهداف وتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة على الأرض، وهو تحول يحمل أبعاداً سيادية، ويؤسس لعلاقة أكثر توازنًا بين الدولة والمنظمات المحلية والدولية العاملة في البلاد.
- كسر نمط الإغاثة الطارئة
هذا التوجه يمثل محاولة لإعادة توجيه الموارد نحو بناء قدرات الأفراد والمجتمعات، بدلًا من الاكتفاء بتقديم المساعدات المباشرة، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة.

فالتحول من الإغاثة إلى التنمية هو إعادة تعريف لدور الإنسان من “متلقٍ للمساعدة” إلى “فاعل اقتصادي”، وإذا ما تحقق، فإنه سيعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة، ويخفف من ثقافة الاعتماد.
غير أن هذا التحول لا يخلو من التحديات، إذ يتطلب بنية مؤسسية قادرة على الاستمرار، وهو التحدي الأبرز في بيئة ما بعد النزاع، ويمثل الاختبار الحقيقي لمدى قابلية هذه الرؤية للتطبيق على الأرض.
- نحو نظام وطني للحماية الاجتماعية
وبمقاربة أكثر عمقًا، فإن الحديث عن"نظام حماية اجتماعية" يمثل انتقالًا من إدارة البرامج إلى بناء السياسات، فالدول الخارجة من النزاعات غالبًا ما تعاني من تعدد المبادرات في غياب إطار جامع، بينما يعكس هذا التوجه مسعى لتأسيس بنية مؤسسية قائمة على البيانات والتخطيط، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد ويحد من الهدر والتكرار والازدواج في التدخلات الإنسانية.
- حماية الطفل كمدخل للاستقرار
إن طرح ملف الطفولة بهذا الشكل يعكس إدراكًا متقدمًا لمفهوم الأمن الاجتماعي، بوصفه منظومة متكاملة لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل تمتد لتشمل حماية الفئات الهشة، وفي مقدمتها الأطفال.
وفي سياق ما بعد النزاع، حيث تتعرض البنية الاجتماعية لتآكل عميق يطال الدولة والاقتصاد والمجتمع، تكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة؛ إذ لا يقتصر أثرها على حماية جيل حاضر، بل يمتد لتأسيس جيل أكثر قدرة على التكيف والإنتاج، بما يعزز فرص التعافي والاستقرار على المدى الطويل.
ومع ذلك، يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة المؤسسات على الاستمرار، وتكامل الأدوار بين الدولة والشركاء، وتحويل الالتزامات إلى سياسات قابلة للتنفيذ على الأرض، تقوم على نظام متكامل قادر على الاكتشاف المبكر للمخاطر، والاستجابة المنظمة لها، ويضمن استدامة التدخلات وفعاليتها.
- ذوو الإعاقة.. من الرعاية إلى الحقوق
وفي السياق، فقد مثلت زيارة معالي وزير الشؤون الاجتماعية والعمل التفقدية لصندوق رعاية وتأهيل المعاقين محاولة لإعادة قراءة هذا الملف من الداخل، عبر الاحتكاك المباشر بالواقع، والاستماع إلى التحديات، ورصد الفجوة بين القائم والمأمول.

وإذا كانت ملامح الرؤية قد بدأت تتشكل، إلا أن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرتها على التحول إلى التزام قانوني قابل للتنفيذ، والحديث هنا عن التعميم الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والخاص بتفعيل نسبة (5 %) لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة ليضع هذا التحول أمام أول اختبار جدي.
إن هذا التعميم يمثل خطوة نوعية، لكنه يفتح في الوقت ذاته تساؤلات حول جاهزية السوق والمؤسسات لاستيعاب هذا التحول، ومدى استعداد المؤسسات العامة والخاصة لمراجعة أنماطها التقليدية في التوظيف.
الحقيقة إن إدخال آليات التفتيش، وإلزام الجهات برفع تقارير دورية التي نص عليها التعميم، يعكس توجهًا نحو إعادة الاعتبار لفكرة “هيبة القانون” بوصفها أداة لإعادة تشكيل السلوك المؤسسي، بما قد يسهم في إعادة تعريف مفهوم “القدرة” داخل سوق العمل، ويفتح المجال أمام كسر الصورة النمطية التي التصقت بهذا الملف، لينتقل من كونه عبئًا اجتماعيًّا إلى كونه طاقة إنتاجية كاملة.
- القطاع الخاص... شريكًا في التنمية
وفي هذا السياق، يشدد الوزير اليافعي على أهمية تكامل الأدوار، لا سيما في مجالات التدريب والتأهيل وخلق فرص العمل، بما يتوافق مع احتياجات السوق.

كما تولي الوزارة سوق العمل بمختلف مكوناته من قوى عاملة، ومؤثرين اقتصاديين، اهتمامًا خاصًا ضمن خططها وتوجهاتها، عبر تفعيل هذا القطاع الهام، وإحياء التشريعات والقرارات المنظمة للسوق، بما يضمن حفظ حقوق العمال وأصحاب الأعمال، ويفتح مسارات تدريب وتأهيل ترتبط بشكل وثيق باحتياجات السوق محليًا وخارجيًا، في وقت تتجه الوزارة نحو تحديث خدماتها، بما في ذلك رقمنتها، إلى جانب تبني سياسات تعزز العدالة، مثل توظيف ذوي الإعاقة.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن إدماج القطاع الخاص يتجاوز البعد الخيري إلى بناء شراكة اقتصادية حقيقية، يتحول فيها رجال الأعمال من داعمين ظرفيين إلى شركاء في صياغة التنمية المستدامة والاستقرار الاقتصادي.
كما يعكس هذا التحول إدراكًا بأن التنمية تتطلب تحالفًا أوسع يربط بين رأس المال والسياسات العامة، ويعيد ضبط علاقة السوق بالدولة على أسس تنظيمية عادلة، بما يسهم في خلق دورة اقتصادية أكثر استدامة، قوامها سوق منظم، وقوى عاملة مؤهلة، وبيئة أعمال مستقرة.
- ما وراء الحراك
ويتجلى هذا التوجه في السعي إلى توحيد مرجعية العمل الإنساني، وضبط تدخلات المنظمات ضمن إطار وطني، والانتقال من الإغاثة إلى التنمية، وتعزيز الشراكات مع مختلف الفاعلين.
وإذا ما جمعت هذه المساعي في سياق واحد، فإنها تعكس محاولة لإعادة بناء “الدولة الاجتماعية” من داخل واقع هش ومعقد، حيث لا يتوقف النجاح على وضوح الرؤية فقط، بل على القدرة على فرضها في بيئة متعددة الفاعلين والمصالح.
ورغم التحديات، فإن ثمة مؤشرات على تحول حقيقي آخذ في التشكل، قد يعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذا ما تُرجم إلى نتائج ملموسة على الأرض.












