عدن ليست مجرد مدينة على خارطة بل ذاكرة حية وروح مدنية تشكلت عبر عقود طويلة من التنوع والتعايش والانفتاح.. هذه المدينة التي كانت يومًا منارة للتجارة والثقافة والحياة المدنية تقف اليوم على مفترق طرق حاسم حيث تتآكل ملامحها شيئًا فشيئًا تحت وطأة الإهمال والعبث العمراني وغياب الرؤية المسؤولة.. ما يحدث في عدن ليس مجرد تغييرات طبيعية تفرضها التحولات الزمنية بل هو تغيّر قسري يهدد هوية المدينة وخصوصيتها.. المباني التاريخية تهدم أو تترك لتنهار، المعالم الأثرية تطمس والمساحات العامة تستباح دون أي اعتبار لقيمتها أو دورها في تشكيل الوعي الجمعي للمدينة، وفي مقابل ذلك تنشأ عشوائيات وتعديات لا تمت بصلة إلى الطابع المعماري أو التخطيطي الذي عرفت به عدن.

إن الحفاظ على عدن لا يعني التمسك بالماضي بشكل جامد بل يتطلب فهما عميقا لكيفية التوازن بين التطوير و الحفاظ على الهوية.

المدن العريقة لا تقاس فقط بما يبنى فيها بل بما يصان من تاريخها وما يحترم من خصوصيتها، وعدن بما تمتلكه من إرث حضاري وإنساني تستحق أن تكون نموذجا في هذا التوازن لا ضحية لفوضى التخطيط و غياب الرقابة.

المسؤولية هنا مشتركة تبدأ من الجهات الرسمية التي يقع على عاتقها وضع سياسات واضحة لحماية المدينة وتمر عبر المجتمع الذي ينبغي أن يكون شريكا واعيا في الدفاع عن ملامح مدينته ولا تنتهي عند النخب الثقافية والإعلامية التي يجب أن ترفع الصوت عاليا تجاه ما يجري.. إن صمتنا اليوم هو مشاركة غير مباشرة في طمس هوية عدن.

وإذا استمر الحال على ما هو عليه فلن تكون الخسارة مجرد مبان أو شوارع بل خسارة لروح مدينة كانت تمثل نموذجا فريدا في المنطقة.. عدن لا تحتاج إلى الكثير من الشعارات بل إلى إرادة حقيقية تحميها من التآكل البطيء فلنحفظها الآن قبل أن نصحو يوما فلا نجد منها إلا الاسم.