ليست أزمة القرار السياسي في كثير من بلدان العالم الثالث مجرد خلل عابر في آلية الحكم، بل هي انعكاس لتركيبة عميقة من الانفصال بين النخب والجماهير، حيث تتحول السياسة من وسيلة لإدارة مصالح الناس إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة، هذه التركيبة المتخلفة لا تكتفي بتجاهل صوت الشارع، بل تنظر إليه بوصفه عبئًا يجب احتواؤه أو قمعه، لا شريكًا يجب الإصغاء إليه، وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية؛ لأن أي نظام سياسي يفقد صلته بالجماهير يفقد تدريجيًا شرعيته، حتى وإن امتلك أدوات القوة.

النخب السياسية التي لا تعير اهتمامًا لمطالب الناس، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، تضع نفسها في دائرة مغلقة من العجز. فهي تعانق حالة من الجمود الفكري والسلوكي، وتغرق في ممارسات تتسم بالخشونة والبدائية، حيث يُستبدل الحوار بالقمع، والاستجابة بالتجاهل. وفي مثل هذه البيئات، لا يصبح القرار السياسي نتاجًا لتفاعل مجتمعي صحي، بل نتيجة حسابات ضيقة تخدم مصالح فئة محدودة، حتى لو كان الثمن اتساع فجوة الغضب الشعبي.

حين تصوغ الجماهير مطالبها، فإنها لا تفعل ذلك من فراغ، بل من معاناة تراكمت وتجارب قاسية فرضتها ظروف الواقع. لذلك فإن الإصغاء لهذه المطالب ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لأي سلطة تسعى للاستمرار. تجاهل هذه الحقيقة يقود حتمًا إلى حالة من الاحتقان، حيث تتراجع ثقة الناس في مؤسسات الحكم، وتبدأ ملامح الانفصال بين الحاكم والمحكوم في التشكل بوضوح.

في اليمن عمومًا، وفي الجنوب على وجه الخصوص، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح، فالمشهد السياسي يعكس حالة من عدم التوازن بين إرادة الجماهير وسلوك النخب. ورغم أن الشارع عبّر عن نفسه بوضوح عبر فعاليات جماهيرية واسعة، خاصة في عدن، إلا أن هذه الرسائل لم تجد طريقها إلى دوائر القرار بالشكل الذي يتناسب مع حجمها. بل على العكس، تم التعامل معها أحيانًا بعقلية تتجاوز منطق السياسة إلى أدوات القمع، وكأن المطالب الشعبية خطر يجب احتواؤه لا فرصة يجب استثمارها.

عدن، بما تمثله من رمزية سياسية وتاريخية، لم تكن مجرد ساحة احتجاج، بل كانت منصة تعبير عن إرادة واضحة المعالم، تطالب بالحرية، وبحق تقرير المصير، وباختيار من يحكمها. هذه المطالب، مهما اختلفت حولها المواقف، تظل تعبيرًا مشروعًا عن حق الجماهير في رسم مستقبلها. لكن الإشكالية تكمن في أن بعض مراكز القرار لم تتعامل مع هذه الإرادة بجدية، بل استمرت في تجاهلها أو الالتفاف عليها، ما أدى إلى تعميق الشعور بالظلم والتهميش.

في المقابل، تقدم تجارب الدول المتقدمة نموذجًا مغايرًا، حيث يُبنى القرار السياسي على أساس التفاعل المستمر مع إرادة الناخبين. هناك، لا يمكن لأي حاكم أن يتجاهل صوت الشعب، لأن بقاءه في السلطة مرتبط مباشرة برضا الناس، عبر انتخابات دورية تحدد من يستحق الاستمرار ومن يجب أن يغادر. هذه العلاقة التبادلية تخلق حالة من التوازن، تجعل من صوت الجماهير أولوية لا يمكن تجاوزها، وتفرض على النخب السياسية أن تكون أكثر مسؤولية وشفافية.

أما في الأنظمة المغلقة، أو ما يمكن تسميته بالأنظمة"الأورجكية" أو السلطوية، فإن الحاكم يتصرف كمالك للسلطة لا كوكيل عنها. يصيغ قراراته وفقًا لمصالحه أو مصالح دائرته الضيقة، دون اعتبار حقيقي لتأثير ذلك على المجتمع. وهذا النمط من الحكم قد ينجح مؤقتًا في فرض الاستقرار بالقوة، لكنه يحمل في داخله بذور انهياره، لأن القمع لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا للشرعية.

إن ما يحدث في الجنوب اليوم ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو صراع بين إرادة جماهيرية تسعى لتحديد مسارها، ونخب لا تزال تتعامل مع الواقع بعقلية تقليدية عاجزة عن استيعاب التحولات. استمرار هذا الوضع دون معالجة جادة سيؤدي إلى مزيد من التعقيد، وربما إلى انفجارات يصعب احتواؤها لاحقًا.

الرسالة التي يبعث بها الشارع واضحة: هناك اتجاه تشكل، وهناك إرادة تتبلور، ولا يمكن تجاهلها إلى ما لا نهاية. الاستجابة لهذه الإرادة لا تعني بالضرورة القبول بكل تفاصيلها، لكنها تبدأ بالاعتراف بها، وفتح قنوات حوار حقيقية، ووضع مطالب الناس ضمن أولويات العمل السياسي.

في النهاية، التاريخ لا يرحم الأنظمة التي تتجاهل شعوبها، ولا يمنح الشرعية لمن يصادر صوت الجماهير. الجنوب اليوم يرسم ملامح مستقبله، ومن الحكمة أن تُقرأ هذه التحولات بعين واقعية، لا بعقلية الإنكار. فالفرص لا تبقى إلى الأبد، ومن لا يصغي اليوم، قد يجد نفسه غدًا خارج معادلة لم يعد يملك التأثير فيها صوت عدن والمكلا يجب أن تسمع قبل فوات الأوان.