في خضم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، تبرز تفاهمات مسقط كواحدة من أهم المحطات المفصلية في مسار الحرب اليمنية، ليس فقط من حيث بنودها المعلنة أو غير المعلنة، بل من حيث ما تعكسه من موازين قوى جديدة على الأرض، وإعادة تعريف للأطراف الفاعلة، وتكريس لواقع سياسي وعسكري ظل يتشكل بهدوء خلال السنوات الماضية.

القراءة المتأنية لهذه التفاهمات تشير بوضوح إلى أن جماعة الحوثي خرجت من هذا المسار التفاوضي وهي الطرف الأكثر تحقيقًا للمكاسب. فالاتفاق على مبدأ “الكل مقابل الكل” في ملف الأسرى يمنحها مكسبًا إنسانيًا وإعلاميًا، بينما يشكل بند دفع الرواتب اختراقًا اقتصاديًا مهمًا، يخفف الضغط الداخلي ويمنح الجماعة قدرًا من الشرعية الواقعية في مناطق سيطرتها. أما الحديث عن تعويضات حرب قد تصل إلى أرقام ضخمة، فهو مؤشر على انتقال النقاش من مرحلة الصراع إلى مرحلة تقاسم كلفة الحرب، وهي نقطة غالبًا لا يصل إليها إلا الطرف الذي فرض نفسه كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.

في الجانب العسكري والسياسي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. سيطرة الحوثي على ما تبقى من الشمال، بما في ذلك مناطق كانت حتى وقت قريب تمثل خطوط تماس ساخنة مثل مأرب وتعز، تعني عمليًا حسم الجغرافيا لصالحه. هذه السيطرة لا تقتصر على البعد الميداني، بل تمتد إلى إعادة تشكيل مركز الثقل السياسي، خاصة مع الحديث عن نقل البنك المركزي إلى صنعاء، وهو ما يمنح الحوثيين ورقة سيادية واقتصادية بالغة التأثير.

في المقابل، يظهر الطرف الآخر، ممثلًا بما يُعرف بالشرعية، في موقع الخاسر الأكبر. ليس فقط لأنه لم يحقق مكاسب موازية، بل لأنه تدريجيًا يفقد مبررات وجوده. فالشرعية التي قامت على أساس استعادة الدولة، تجد نفسها اليوم أمام واقع يُعاد فيه ترتيب الدولة دون أن تكون جزءًا فاعلًا في هذه العملية. ومع تراجع دورها الميداني والسياسي، يصبح الحديث عن “لا رجعة للشرعية” أقرب إلى توصيف واقع منه إلى موقف سياسي.

أما التحالف، الذي لعب دورًا محوريًا في بداية الحرب، فيبدو أنه يتجه نحو إعادة تموضع استراتيجي. الانسحاب التدريجي من الجنوب خلال العام القادم، وفق ما يُتداول، يعكس تحولًا في الأولويات، وربما رغبة في إنهاء الانخراط المباشر في صراع مكلف ومعقد. هذا الانسحاب لا يعني فقط تقليص الدور العسكري، بل يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في الجنوب، قد لا تكون بالضرورة متسقة مع ما كان يُطرح سابقًا من أهداف.

الجنوب، في هذا السياق، يبدو الأكثر عرضة للخسارة المركبة. فمن جهة، لا يظهر كطرف مستقل في هذه التفاهمات، ومن جهة أخرى، قد يجد نفسه في مراحل لاحقة أمام ضغوط لإعادة دمجه في معادلة سياسية لم يكن شريكًا في صياغتها. هذا الوضع يخلق حالة من القلق المشروع حول مستقبل القضية الجنوبية، خاصة في ظل غياب ضمانات واضحة تحفظ خصوصيتها أو تطلعات شعبها.

الاتفاق، بصيغته الحالية أو المتداولة، يعكس بوضوح معادلة “طرف رابح وطرف خاسر”، لكنه في الوقت ذاته يؤسس لمرحلة جديدة قد لا تكون مستقرة بالضرورة. فالتفاهمات التي تقوم على اختلال كبير في توازن المكاسب غالبًا ما تحمل في طياتها بذور توترات مستقبلية، خاصة إذا لم تُترجم إلى تسوية سياسية شاملة تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الواقع اليمني وتعدد قضاياه.

في النهاية، يمكن القول إن تفاهمات مسقط تمثل نقطة تحول حقيقية، لكنها ليست نهاية الطريق. هي أقرب إلى إعادة ترتيب للأوراق وفق موازين قوى جديدة، أكثر منها حلًا نهائيًا للصراع. وما لم يتم استيعاب الأطراف المختلفة، وفي مقدمتها الجنوب، ضمن رؤية سياسية عادلة ومستدامة، فإن هذه التفاهمات قد تتحول من فرصة للسلام إلى محطة مؤقتة في مسار صراع لم يُحسم بعد حتى إشعار آخر.