​لم يعد المواطن اليمني، بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام، معنياً كثيراً بمن يحكم بقدر ما يعنيه كيف يُحكم. تلاشت الشعارات الكبيرة أمام ثقل المعاناة اليومية، وانكمشت الاصطفافات السياسية أمام أولويات أكثر إلحاحاً: الأمن، الأمان، الخدمات، الراتب، التعليم، والقدرة على العيش بكرامة. في هذا السياق، يصبح لون “القط” – كناية عن الانتماءات السياسية والأيديولوجية – أمراً ثانوياً، ما دام قادراً على “اصطياد الفئران”، أي تحقيق الاستقرار وتلبية احتياجات الناس.

لقد طال أمد الأزمة اليمنية حتى تجاوزت حدود التوصيف التقليدي للصراعات، وتحولت إلى حالة مركبة من التشظي السياسي، والانهيار الاقتصادي، والتآكل الاجتماعي. ومع كل يوم يمر، تتعقد الأزمة أكثر، وتتراجع فرص الحلول السريعة، بينما تتسع فجوة الثقة بين المواطن والسلطة، أياً كان شكلها أو موقعها. هذا التعقيد لم يعد مجرد نتيجة لعوامل داخلية، بل بات انعكاساً لتشابك المصالح الإقليمية والدولية، التي جعلت من اليمن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، على حساب إنسانه وأرضه ومستقبله.

في خضم هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: ماذا يريد اليمنيون اليوم؟
الإجابة لم تعد تحتاج إلى كثير من التحليل؛ فالمطالب باتت واضحة وبسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها. يريد الناس دولة تحميهم من الخوف، لا أن تكون مصدراً له. يريدون مؤسسات تقدم الخدمات الأساسية دون إذلال أو وساطة. يريد الموظف راتباً منتظماً يكفيه عن السؤال، ويريد الطالب مدرسة حقيقية لا مجرد جدران، ويريد المريض مستشفى يجد فيه العلاج لا الموت البطيء.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الصراع على السلطة، حين ينفصل عن احتياجات الناس، يتحول إلى عبء عليهم لا وسيلة لخدمتهم. كما أثبتت أن الخطابات التعبوية، مهما كانت قوتها، لا يمكن أن تعوض غياب الكهرباء أو انقطاع المياه أو انهيار العملة. من هنا، فإن أي مشروع سياسي لا يضع الإنسان في صلب أولوياته محكوم عليه بالفشل، حتى وإن نجح مرحلياً في فرض نفسه بالقوة.

إن التحدي الحقيقي في اليمن اليوم لا يكمن فقط في إنهاء الحرب، بل في بناء سلام قابل للحياة. سلام لا يقوم على تقاسم النفوذ بين القوى المتصارعة، بل على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. سلام يعيد الاعتبار لمفهوم العدالة، ويؤسس لحكم رشيد، ويضمن توزيعاً عادلاً للثروة، ويكسر حلقة الفساد التي استنزفت البلاد لعقود.

ولعل أخطر ما يواجه اليمنيين اليوم هو الشعور المتزايد بانسداد الأفق. فكلما تأخرت الحلول، ترسخت القناعات بأن الأزمة بلا نهاية قريبة، وأن المعاناة قدر لا مفر منه. هذا الشعور، إن تُرك دون معالجة، قد يقود إلى مزيد من التفكك الاجتماعي، ويخلق بيئة خصبة للتطرف والفوضى، ويهدد ما تبقى من نسيج وطني جامع.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن في عمق هذا المشهد القاتم، لا يزال هناك أمل. فإرادة الشعوب، مهما أُرهقت، لا تموت. واليمنيون، الذين صمدوا في وجه ظروف قاسية، ما زالوا قادرين على إعادة صياغة مستقبلهم، إذا ما توفرت قيادة صادقة، ورؤية واضحة، وإرادة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

إن الخروج من الأزمة اليمنية يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وجرأة في مراجعة الأخطاء، واستعداداً حقيقياً لتقديم التنازلات من أجل المصلحة العامة. كما يتطلب دعماً إقليمياً ودولياً صادقاً، لا يقوم على إدارة الصراع، بل على إنهائه. دعم يعزز بناء المؤسسات، ويدعم الاقتصاد، ويعيد الحياة إلى القطاعات الحيوية.

في النهاية، لم يعد السؤال من يحكم، بل كيف يُحكم. لم يعد مهماً لون “القط”، بل قدرته على تحقيق ما عجز عنه الآخرون: استعادة الدولة، وبناء السلام، وإعادة الكرامة للمواطن. فالشعب، الذي دفع أثماناً باهظة، لا يريد شعارات جديدة، بل واقعاً مختلفاً. يريد مخرجاً حقيقياً من هذه الدوامة، وحلولاً تنقله من حالة الانتظار الطويل إلى أفق يستحقه.

إنها لحظة اختبار للجميع، سلطة ومعارضة، قوى داخلية وخارجية. إما أن ينتصر صوت العقل، وتُقدَّم مصلحة الإنسان، أو يستمر النزيف في بلد لم يعد يحتمل المزيد

رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering