> «الأيام» وكالة خبر للأنباء:

تكشف ممارسات الغش الواسعة التي تشهدها امتحانات الشهادة الثانوية في العاصمة عدن و بقية المحافظات، عن أزمة تتجاوز حدود العملية الامتحانية لتلامس عمق الانهيار الذي أصاب قطاع التعليم خلال سنوات الحرب، في ظل اتهامات متزايدة للحكومة بالعجز عن حماية ما تبقى من المنظومة التعليمية أو توفير الحد الأدنى من مقوماتها، بدءًا برواتب المعلمين وانتهاءً ببيئة امتحانية نزيهة.


وبينما تتحدث السلطات باستمرار عن إصلاحات إدارية وتعليمية، تشير شهادات تربوية وميدانية إلى أن الغش لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل تحول إلى ظاهرة منظمة تستفيد من ضعف الرقابة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، بما يهدد بإنتاج أجيال تفتقر إلى الحد الأدنى من الكفاءة العلمية.

ووفقاً لمصادر تربوية، يتم تسريب أوراق الأسئلة بعد دقائق من توزيعها داخل القاعات عبر تصويرها بالهواتف المحمولة وإرسالها إلى مدرسين خارج المراكز الامتحانية، ليتولوا حلها وإعادة نشر الإجابات في مجموعات عبر تطبيق "واتساب" مخصصة لكل مركز، قبل أن يجري تداولها بين الطلبة.

وقالت المصادر، إن الهواتف المحمولة، التي يفترض سحبها قبل بدء الامتحانات، يعاد تسليم ثلاثة أو أربعة منها داخل كل قاعة بعد مرور نحو ساعة من بدء الاختبار، في عملية تتم ـ بحسب المصادر ـ بتنسيق مع بعض المراقبين، الأمر الذي يحول إجراءات مكافحة الغش إلى مجرد تدابير شكلية لا تمنع استمرار الظاهرة. 
  • تراجع جودة التعليم 
وتحدث مراقبون عن قيام طلبة في عدد من المراكز بجمع مبالغ مالية بصورة يومية وتسليمها لبعض المشرفين مقابل التغاضي عن إدخال الإجابات أو تسهيل تداولها داخل القاعات، الأمر الذي يكشف عن تغلغل الفساد في واحدة من أهم المراحل التعليمية التي تحدد مستقبل آلاف الطلاب.


ولا تقف الأزمة عند حدود الرقابة، إذ تشير مصادر تربوية إلى أن مستوى أسئلة الامتحانات تراجع بصورة ملحوظة مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، حيث أصبحت أكثر بساطة وتقتصر على عدد محدود من الصفحات مع تدوين الإجابات عليها مباشرة، بعدما كانت تعتمد نماذج أكثر تعقيدًا ودفاتر إجابة مستقلة، وهو ما يعتبره تربويون مؤشرًا إضافيًا على تراجع جودة التعليم.

ويحمّل معلمون تدهور أوضاعهم المعيشية جانبًا كبيرًا من المسؤولية عن هذه الظواهر، مؤكدين أن راتب المعلم الذي لا يتجاوز في المتوسط نحو 60 ألف ريال يمني فقد معظم قيمته الشرائية، ليعادل قرابة 150 ريالًا سعوديًا فقط وفق أسعار الصرف السائدة، مقارنة بما كان يعادل نحو 1500 ريال سعودي قبل اندلاع الحرب عام 2015. 
  • تآكل أجور الموظفين 
وخلال السنوات الماضية نفذ المعلمون عشرات الوقفات الاحتجاجية والإضرابات للمطالبة بزيادة الرواتب وصرفها بصورة منتظمة بما يتناسب مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، إلا أنهم يقولون إن استجابة الحكومة اقتصرت على الوعود دون حلول عملية، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية إلى مستويات تفوق ما كانت عليه قبل الحرب بـ15ضعفًا، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى حافة الفقر.

ويرى تربويون أن هذا الواقع الاقتصادي القاسي أسهم في دفع بعض العاملين في القطاع التعليمي إلى القبول بممارسات كانوا يرفضونها سابقًا، رغم إدراكهم لتداعياتها الخطيرة على مستقبل البلاد، مشيرين إلى أن رئاسة الحكومة والوزارات المعنية تتحمل مسؤولية مباشرة عن البيئة التي سمحت بانتشار الفساد داخل المدارس نتيجة استمرار تآكل أجور الموظفين وإهمال إصلاح القطاع.


وفي موازاة ذلك، يواجه الطلاب ظروفًا استثنائية تعوق استعدادهم للامتحانات، مع استمرار أزمة الكهرباء في عدن التي شهدت خلال الأسابيع الأخيرة انقطاعات وصلت إلى نحو 20 ساعة يومياً مقابل أربع ساعات تشغيل فقط، بالتزامن مع موجات حر تراوحت فيها درجات الحرارة بين 37 و44 درجة مئوية في عدد من المناطق الساحلية.

ويقول طلبة إن الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي جعل المراجعة الليلية شبه مستحيلة، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وغياب البدائل، الأمر الذي أثر على قدرتهم على الاستعداد للاختبارات، بينما أصبحت كثير من الأسر غير قادرة على توفير مصادر طاقة بديلة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. 
  • كاميرات مراقبة داخل القاعات 
ويرى مراقبون أن استمرار هذا المشهد لا يهدد فقط نزاهة الامتحانات، بل يقوض الثقة في النظام التعليمي برمته، إذ يؤدي تخريج دفعات من الطلاب بقدرات علمية متدنية إلى انعكاسات طويلة الأمد على الجامعات وسوق العمل ومؤسسات الدولة.


ويقترح مختصون تربويون أن تتجه وزارة التربية والتعليم إلى تركيب كاميرات مراقبة داخل قاعات الامتحانات، وتشديد آليات التفتيش والرقابة، بالتوازي مع معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وفي مقدمتها تحسين أوضاع المعلمين المعيشية وضمان انتظام صرف رواتبهم واستعادة قيمتها الحقيقية، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لإنقاذ التعليم من مسار الانهيار الذي يسير فيه منذ سنوات. 
  • ردود فعل غاضبة 
وفي سياق ردود الفعل، استنكر عدد من الصحفيين والناشطين استمرار ما وصفوها بـ"المهزلة التي يتعرض لها قطاع التعليم تحت غطاء امتحانات الشهادة الثانوية" وقالوا إن اتساع نطاق الغش أفقد الامتحانات قيمتها الحقيقية وأضر بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.


وقال مراقبون بأن ما يحدث هو عمليات غش منظمة، وأصبح الطالب الذي يمارس الغش أكثر حظاً في الحصول على درجات أعلى من الطالب المجتهد، في إشارة إلى اختلال خطير في معايير التقييم التعليمي.

ودعا مختصون إلى جانب عدد من الصحفيين والمراقبين للشأن التربوي في اليمن، إلى إعادة النظر في آلية تقييم طلاب المرحلة الثانوية، واقترحوا استبدال نظام الاختبار النهائي باحتساب المعدل التراكمي للطالب خلال سنوات الدراسة الثانوية الثلاث، على أن يُستخرج منه المعدل النهائي الذي يعكس مستواه الأكاديمي الحقيقي، بما يسهم في الحد من ظاهرة الغش ويعزز العدالة في تقييم التحصيل العلمي.

وفي بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، تبدو معركة إصلاح التعليم أبعد بكثير من مجرد مكافحة "البراشيم"، إذ ترتبط بقدرة الدولة على استعادة مؤسساتها وحماية أجيال كاملة من الوقوع ضحية الفقر والفساد والانهيار الخدمي، وهي مسؤولية يرى كثير من اليمنيين أن الحكومة أخفقت في الاضطلاع بها طوال العقد الماضي.