الخميس, 06 أغسطس 2026
118
إن أخطر ما تعيشه اليمن اليوم ليس فقط اتساع دائرة الفساد أو تعثر مؤسسات الدولة، بل تآكل الثقة بين مكونات الدولة نفسها. فالثقة التي تعد أساس بناء أي دولة مستقرة أصبحت مفقودة بين كثير من القيادات السياسية وداخل اغلب المؤسسات الحكومية، وحتى بين القيادات العسكرية والأمنية ورفاق السلاح الذين يفترض أن يجمعهم هدف واحد هو حماية الوطن.
وفي المشهد السياسي، تبدو حالة الشك المتبادل بين قيادات الدولة وكافة المسولين و الأحزاب والقوى المختلفة أكثر حضورًا من روح الشراكة. فكل طرف يتوجس من الآخر، وكل جهة تتهم غيرها بالتقصير أو السعي إلى تحقيق مصالح خاصة، بينما يظل المواطن ينتظر نتائج لا تأتي. أما منظمات المجتمع المدني، التي يفترض أن تكون شريكا في التنمية والرقابة، فهي الأخرى تواجه تحديات تتعلق بالاستقلالية والثقة في بعض الحالات، مما يؤثر في قدرتها على أداء دورها الكامل.
ووسط هذا المشهد، يرفع كثيرون شعارات الوطنية والإصلاح، ويتنافسون على تقديم أنفسهم بوصفهم أصحاب الفضل في بناء الوطن، بينما يبقى المعيار الحقيقي هو ما يتحقق على أرض الواقع من إنجازات تخدم المواطنين وتعزز مؤسسات الدولة. فالوطن لا يبنى بطرف أحادي، بل بالعمل المسؤول، وسيادة القانون، والشفافية، واحترام الكفاءة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية الضيقة.
لقد أصبحت أزمة الثقة إحدى أكبر العقبات أمام أي مشروع وطني جامع. فحين يغيب الاطمئنان بين مؤسسات الدولة، وتضعف الثقة بين القوى السياسية، يصبح التعاون أكثر صعوبة، وتتراجع فرص الإصلاح، ويدفع المواطن الثمن في النهاية.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو.. كيف يمكن بناء دولة قوية إذا كانت الثقة غائبة بين أبنائها ومؤسساتها.. وكيف يمكن تحقيق الاستقرار إذا ظل كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصما لا شريكا في مسؤولية إنقاذ الوطن؟
إن استعادة الثقة لا تتحقق بالشتائم بين القيادات، وإنما بإجراءات عملية تقوم على النزاهة، والمحاسبة، والعدالة، والوفاء بالعهود، واحترام القانون، لأن الدولة التي تبنى على الثقة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وصناعة مستقبل أفضل لمواطنيها.