في زمن مضى كان الإنسان يحتاج إلى سنوات من الاجتهاد ليصبح معروفًا، يقرأ ويكتب، يتعب ويخطئ ويتعلم، ثم يضيف شيئًا إلى حياة الناس قبل أن تلتفت إليه الأعين وتذكره الألسن.

أما اليوم فقد أصبح الوصول إلى الشهرة أسرع مما كان يُتوقع، حتى كأن الزمن نفسه قرر أن يعيد توزيع الأضواء بطريقة مختلفة لا تخضع دائمًا لمنطق الجهد أو القيمة، ويكفي أن تمتلك هاتفًا، وشيئًا من الجرأة، وقدرًا معقولًا من التفاهة، وربما قدرة لافتة على تحويل اللاشيء إلى مادةٍ للتداول، لتستيقظ صباحًا فتجد نفسك "مشهورًا" يتابعه مئات الآلاف، ويمنحون رأيك وزنًا في كل شيء، رغم أنك لم تقل شيئًا يستحق الإصغاء.

وهكذا، وبين زمن كانت الشهرة فيه مكافأة على الإنجاز، وزمن أصبحت فيه مكافأة على الظهور، حدث شيء غامض في مكان ما... شيء يشبه العطل الكبير الذي أصاب ميزان القيمة، فاختلطت الأوزان، وتبدلت المعايير، وأصبح الذهب يتوارى في الظل بينما تتصدر الواجهة أشياء لا تلمع إلا لأنها قريبة من الضوء.

لم يعد السؤال: ماذا قدمت؟ بل أصبح: كم حصدت من المشاهدات؟

تجد أحدهم يقضي عمره بين الكتب والبحوث والمقالات والدراسات، يثري العقول وينير الأفكار، ويترك خلفه إرثًا من المعرفة والخبرة، فلا يحصد سوى عشرات الإعجابات من أصدقاء أوفياء ما زالوا يؤمنون بأن للكلمة قيمة.

وفي المقابل، قد يظهر شخص لا يقدم للناس فكرة تضيء عقولهم ولا معرفة تثري وعيهم، وإنما يكتفي بعرض يومياته العادية باعتبارها حدثًا استثنائيًا. يتابع الناس تفاصيل لا تضيف إلى عقولهم شيئًا، ويمنحونه من الاهتمام ما يبخلون به على أصحاب الفكر والخبرة، حتى يبدو وكأن الشهرة لم تعد مكافأة على القيمة، بل جائزة كبرى لمن ينجح في شغل وقت الآخرين بما لا يضيف إلى حياتهم أثرًا يُذكر.

المفارقة ليست في وجود التافهين، فالتفاهة صاحبت البشرية منذ فجر التاريخ، لكنها كانت تعرف حجمها الطبيعي. أما اليوم فقد تحولت إلى صناعة مزدهرة، لها نجومها وجماهيرها ومواسمها وأسواقها، وربما خبراؤها أيضًا.

أصبح بعض المشاهير قادرين على التأثير في الرأي العام أكثر من أكاديمي أفنى عمره في البحث والتدريس، وأصبح "صاحب المحتوى الرخيص" أكثر حضورًا من صاحب الفكرة، وصاحب المشهد العابر أكثر تأثيرًا من صاحب التجربة العميقة.

أحد أعلام الصحافة يكتب مقالًا رصينًا مليئًا بالتحليل والخبرة المتراكمة عبر عقود، فلا يلتفت إليه إلا نفر قليل من القراء. بينما تكفي صورة عابرة أو مقطع لا يحمل فكرة ولا رسالة ليتحول صاحبه إلى حديث الساعة، وتتسابق التعليقات إلى تمجيده وكأنه فتح بابًا جديدًا من أبواب المعرفة.

وكأن البشرية قررت فجأة أن العقل سلعة كاسدة، وأن الضحالة استثمار مضمون الأرباح.

لقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع المعرفة كما يتعامل الأطفال مع الدواء، يعلمون أنه مفيد، لكن مرارة مذاقه تدفعهم دائمًا إلى تفضيل الحلوى.

ولهذا لم يعد مستغربًا أن تجد قاعة محاضرات تضم عشرات الأشخاص حول مفكر أو كاتب كبير، بينما يحتشد الآلاف حول شاشة صغيرة لمتابعة شخص يتحدث لساعات دون أن يقول شيئًا يستحق الذكر.

لكن المشكلة ليست في هؤلاء وحدهم.

فالشهرة في حقيقتها مرآة للجمهور أكثر مما هي مرآة للمشهور.

وحين يصبح المحتوى الخفيف هو الأكثر تداولًا، فالمشكلة لا تكمن فقط في من ينتجه، بل أيضًا فيمن يستهلكه، ويعجب به، ويعيد نشره وتسويقه، ويمنحه من وقته ما يحرم منه أصحاب القيمة والمعرفة.

وفي اليمن، حين يرغب بعض المسؤولين في صناعة صورة إعلامية لذواتهم، لا يبحثون غالبًا عن الصحفي الحصيف صاحب الخبرة والتحليل، لأنهم يدركون أن هذا النوع من الصحافة لا يكتفي بالتجميل. ولذلك تجد الأبواب تُفتح على مصراعيها أمام من يجيدون صناعة الانطباع السريع، لا صناعة الحقيقة، ويقتربون أكثر من مهرجي السوشيال ميديا ومن يملكون جمهورًا صاخبًا أكثر مما يملكون معرفةً عميقة. وهكذا تختلط أدوات الترويج، ويختل معها معيار الكفاءة والجدارة.

لقد صار صانع الفكرة يبحث عن الجمهور لينصفه، بينما صار صانع التفاهة هو المتحدث باسم اللحظة.

ومع ذلك فإن للتاريخ عادة لا تتغير، فهو لا يحتفظ بالدخلاء طويلًا. وبعد سنوات يبهت بريق كثير من مشاهير الصدفة، وتختفي أسماؤهم كما ظهرت فجأة، بينما تبقى الأفكار الخالدة، وتبقى الكتب، وتبقى المقالات، ويبقى أثر الذين أضافوا شيئًا حقيقيًا إلى حياة الناس.

فالذهب لا يصبح ترابًا لأن الناس تجاهلوه، والتراب يبقى ترابًا كما قدر له أن يكون.

لكنها، في النهاية، أيام عجيبة وغريبة نعيشها…

أيام صار فيها صاحب الفكر يبحث عن الجمهور، بينما يبحث الجمهور عن ما هو أسرع من الفكرة وأخف من الوعي، في زمن اختلط فيه الضوء بالوهج، والمعنى بالتفاهة والتهريج.

وبات على الحقيقة أن تنتظر طويلًا كي تُرى، إن رآها أحد أصلًا.