> بيروت «الأيام» العرب اللندنية:

​أعاد التصعيد الإسرائيلي الواسع في لبنان طرح تساؤلات بشأن مدى انسجام التحركات العسكرية الإسرائيلية مع المسار السياسي الذي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة، ولا سيما بعد التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران الرامية إلى خفض التوترات الإقليمية وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة.

فمنذ فجر الجمعة، شهد لبنان موجة من الغارات الإسرائيلية المكثفة ترافقت مع تصريحات حادة من مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي أثار شكوكا بشأن ما إذا كانت تل أبيب تتجه نحو توسيع عملياتها العسكرية استجابة لحسابات داخلية، حتى لو أدى ذلك إلى تعقيد الجهود الدبلوماسية الأميركية.

ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه وضعا سياسيا معقدا. فمن جهة، يتعرض لضغوط قوية من شركائه في اليمين المتطرف الذين يطالبون برد أكثر قسوة على حزب الله، ومن جهة أخرى يدرك أن أي تصعيد غير محسوب قد يضعه في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية التي استثمرت الكثير من الجهد السياسي في مسار التهدئة الإقليمي.

وتزداد حساسية الموقف في ظل اعتبار التفاهم الأميركي – الإيراني أحد أهم الملفات التي يعمل عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة رسم المشهد الأمني في الشرق الأوسط. 

ولذلك فإن أي انفجار جديد للجبهة اللبنانية قد يهدد بتقويض الأساس الذي قامت عليه تلك التفاهمات.

وتشير مواقف صادرة عن مسؤولين في حزب الله إلى أن طهران تربط استمرار أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة بوقف شامل لإطلاق النار في ساحات المواجهة المختلفة، بما فيها لبنان. 

وقد أكد النائب حسن فضل الله أن إيران أبلغت الحزب بأن المفاوضات مع واشنطن لا يمكن أن تستمر في ظل استمرار العمليات العسكرية، داعيا الحكومة اللبنانية إلى رفض أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ما دامت الهجمات متواصلة.

وفي المقابل، أظهر الموقف الإسرائيلي تمسكا باستمرار العمليات العسكرية. فقد أكد نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبقى في جنوب لبنان “طالما اقتضت الضرورة”، معتبرا أن أمن البلدات الشمالية يمثل أولوية لا يمكن التنازل عنها. وجاءت تصريحاته عقب الإعلان عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين في عمليات بجنوب لبنان، وهي خسارة أعادت إلى الواجهة الضغوط الشعبية والسياسية المطالبة برد قوي.

ويعتقد مراقبون أن مقتل الجنود الأربعة شكل نقطة تحول مهمة في النقاش الداخلي الإسرائيلي، إذ منح التيارات المتشددة فرصة إضافية للضغط على الحكومة من أجل توسيع نطاق العمليات العسكرية. وفي هذا السياق، صدرت تصريحات لعدد من الوزراء والمسؤولين عكست توجها يدعو إلى استخدام قوة أكبر ضد حزب الله، بل وتجاوزت أحيانا حدود الخطاب التقليدي للحكومة الإسرائيلية.

وكان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الأكثر تشددا عندما دعا إلى التعامل مع لبنان بمنطق الردع الكامل، معتبرا أن إسرائيل مطالبة بإظهار أنها لا تقدم أي تنازلات عندما يتعلق الأمر بأمن مواطنيها. كما صدرت مواقف مشابهة من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي دعا إلى رد عسكري واسع، في مؤشر على حجم الضغوط التي يمارسها اليمين المتطرف على نتنياهو.

لكن هذه الدعوات لا تعكس بالضرورة إجماعا داخل المؤسسة الإسرائيلية. فهناك تقديرات أمنية وسياسية ترى أن توسيع الحرب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصا إذا تسبب في إضعاف التنسيق مع الولايات المتحدة أو في تعطيل التفاهمات الجارية مع إيران. كما أن الانخراط في مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد على الجبهة اللبنانية قد يفرض أعباء عسكرية واقتصادية إضافية على إسرائيل في مرحلة تشهد أصلا حالة من الاستقطاب السياسي الداخلي.

ولا تقتصر الضغوط على اليمين المتطرف وحده، إذ انضمت شخصيات معارضة بارزة إلى المطالب الداعية لتشديد الرد العسكري. فقد دعا زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان إلى فرض كلفة مرتفعة على الطرف الآخر، محملا الحكومة مسؤولية أي إخفاق في تحقيق أهدافها الأمنية. ويعكس هذا الموقف اتجاها متناميا داخل الساحة السياسية الإسرائيلية يعتبر أن التفاهمات الإقليمية لا يجب أن تأتي على حساب متطلبات الأمن الإسرائيلي.

وتزداد أهمية هذه الضغوط مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث يسعى نتنياهو إلى الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي ومنع خصومه من استثمار الملف الأمني ضده. لذلك تبدو قراراته الحالية محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين ضرورات السياسة الداخلية ومتطلبات العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.

وفي المقابل، تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام اختبار صعب. فهي تدرك أن استمرار التصعيد في لبنان قد يمنح المعارضين للتفاهم مع إيران حججا إضافية للتشكيك في جدواه، كما قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في التزاماتها السياسية. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع واشنطن تجاهل المخاوف الأمنية الإسرائيلية أو ممارسة ضغوط علنية كبيرة على حكومة نتنياهو في ظل حساسية المشهد الداخلي الإسرائيلي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الجبهة اللبنانية تحولت مجددا إلى ساحة اختبار لمستقبل الترتيبات الإقليمية الجديدة. فنجاح التفاهم الأميركي – الإيراني يتطلب درجة من الاستقرار تسمح بترجمة الاتفاقات السياسية إلى وقائع ميدانية، بينما يقود استمرار المواجهات إلى نتيجة معاكسة قد تعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.

وفي المحصلة، لا يبدو أن إسرائيل قد حسمت بالكامل خيار الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع لبنان بمعزل عن المظلة الأميركية، لكن المؤكد أن الضغوط السياسية والأمنية الداخلية تدفع حكومة بنيامين نتنياهو نحو مواقف أكثر تشددا. وبين حسابات الائتلاف الحاكم ومتطلبات الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، تتحول الجبهة اللبنانية إلى اختبار حقيقي لقدرة الطرفين على تنسيق أولوياتهما، كما تصبح أحد العوامل الرئيسية التي قد تحدد مستقبل التفاهم الأميركي – الإيراني وفرص استدامته في المرحلة المقبلة.