> واشنطن «الأيام» العرب اللندنية:

​لم ينته أثر الحرب الأميركية على إيران عند إعلان وقف إطلاق النار، بل بدأ معه نقاش إستراتيجي أوسع داخل الولايات المتحدة حول مستقبل دورها في الشرق الأوسط. فالمواجهة، التي انتهت بتسوية أعادت الطرفين إلى مسار التفاوض، لم تُحسم وفق الأهداف التي طُرحت عند بدايتها، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة بشأن حدود القوة الأميركية، وجدوى الانخراط العسكري المكلف في منطقة تتغير موازينها بسرعة، في وقت تتجه فيه أولويات واشنطن بصورة متزايدة نحو منافسة القوى الكبرى.

وبينما تروج إدارة الرئيس دونالد ترامب للاتفاق باعتباره خطوة ضرورية لإنهاء الصراع وفتح مسار دبلوماسي جديد، يرى عدد متزايد من الباحثين والمحللين أن الحرب نفسها كشفت حدود القدرة الأميركية على فرض أهدافها الإستراتيجية، وأعادت إحياء الدعوات إلى مراجعة شاملة للدور الأميركي في المنطقة.

ويستند هذا التقييم إلى أن الحرب لم تحقق الأهداف الإستراتيجية التي أعلنتها واشنطن عند اندلاعها، وفي مقدمتها تقليص النفوذ الإيراني وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.

وعلى الرغم من التفوق العسكري الأميركي، انتهت المواجهة باتفاق يمنح الأولوية لوقف القتال واستئناف المفاوضات، بدلاً من فرض شروط سياسية أو إستراتيجية على طهران، وهو ما اعتبره منتقدون اعترافا ضمنيا بأن كلفة مواصلة الحرب تجاوزت المكاسب المتوقعة.

وفي هذا السياق يرى أصحاب هذا الطرح أن الاتفاق لا يمثل هزيمة بحد ذاته، وإنما يعكس حقيقة أن الولايات المتحدة اقتنعت بأن الاستمرار في الصراع لن يحقق أهدافها القصوى، وأن إنهاء الحرب أصبح الخيار الأقل كلفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ومن ثم، فإن الاتفاق يُقرأ باعتباره بداية مرحلة جديدة تقوم على إدارة الأزمة بدلاً من محاولة حسمها بالقوة العسكرية.

وتتجاوز المراجعة المرتقبة حدود الملف الإيراني لتشمل مجمل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فمنذ عقود استثمرت واشنطن موارد عسكرية ومالية هائلة في المنطقة، انطلاقا من اعتقاد بأن أمنها القومي يرتبط ارتباطا مباشرا بما يجري فيها. إلا أن الحرب الأخيرة أعادت طرح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة: هل ما زالت المصالح الأميركية تستوجب هذا الحجم من الانخراط العسكري؟

ويشير أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الولايات المتحدة دفعت ثمنا باهظا في حرب لم تمس، في نظرهم، المصالح الحيوية المباشرة للبلاد. فإلى جانب الكلفة المالية الضخمة، التي قدرت بعض الدراسات أنها قد تصل إلى نحو 200 مليار دولار، ألقت الحرب بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، ورفعت أسعار النفط، وأثرت في معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، فضلاً عن الخسائر البشرية والتداعيات السياسية التي رافقت الصراع.

كما يرى أصحاب هذه القراءة أن الحرب لم تُفضِ إلى تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني بالشكل الذي كانت تطمح إليه واشنطن، بل منحت طهران فرصة لتعزيز أوراقها التفاوضية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.

وفي المقابل وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى العودة إلى طاولة التفاوض من دون أن تتمكن من فرض شروط المنتصر، الأمر الذي عزز الدعوات إلى تبني سياسة أكثر واقعية وأقل اعتمادا على القوة العسكرية.

ومن بين أبرز الدروس التي يطرحها هذا النقاش أن سياسة الهيمنة العسكرية التي انتهجتها واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة لم تعد تحقق النتائج نفسها في عالم يشهد تغيرات متسارعة. فصعود قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين، وتزايد قدرات القوى الإقليمية، جعلا من الصعب على الولايات المتحدة فرض إرادتها منفردة، حتى مع احتفاظها بأكبر قوة عسكرية في العالم.

وفي هذا الإطار يرى محللون أن الحرب مع إيران قد تكون محطة مفصلية في إعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية الأميركية. فبدلاً من الانخراط في نزاعات مفتوحة في الشرق الأوسط، قد تتجه واشنطن إلى تركيز مواردها على منافسة القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، التي عززت حضورها الاقتصادي والسياسي خلال فترة الحرب، وقدمت نفسها شريكا أكثر استقرارا في النظام الدولي.

ويمتد النقاش إلى مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، إذ يرى عدد من الباحثين أن القواعد المنتشرة في المنطقة لم تعد تحقق مستوى الردع الذي أُنشئت من أجله، بل تحولت في الكثير من الأحيان إلى أهداف للهجمات، وإلى مصدر لاستنزاف الموارد والقدرات الأميركية.

ومن هذا المنطلق تتزايد الدعوات إلى إعادة توزيع القوات، وتقليص الالتزامات العسكرية المباشرة، مع الاعتماد بصورة أكبر على الشراكات الإقليمية لإدارة التحديات الأمنية.

ويبرز ملف الطاقة كذلك كأحد المحاور الأساسية في هذه المراجعة. فقد أظهرت الحرب أن الولايات المتحدة، رغم ارتفاع إنتاجها المحلي من النفط، ما زالت تتأثر بشدة بأي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، ما يعزز الأصوات الداعية إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة، باعتبارها وسيلة لتقليل التأثر بالأزمات الجيوسياسية في مناطق إنتاج النفط التقليدية.

في المقابل لا يعني الحديث عن مراجعة الدور الأميركي انسحابا كاملا من الشرق الأوسط، إذ تدرك واشنطن أن المنطقة ستظل ذات أهمية إستراتيجية، سواء بسبب أمن الطاقة أو أمن إسرائيل أو مكافحة الإرهاب. لكن النقاش يدور حول طبيعة هذا الدور، وما إذا كان ينبغي أن يقوم على التدخل العسكري المباشر أم على الدبلوماسية والشراكات الإقليمية واستخدام أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي.

كما أن إدارة ترامب تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى تقديم اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره نجاحا دبلوماسيا أنهى حربا مكلفة، لكنها تواجه في الوقت ذاته انتقادات من تيارات ترى أن الاتفاق منح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوضاعها من دون أن يقدم ضمانات كافية بشأن سلوكها الإقليمي أو برنامجها النووي.

وفي المقابل يعتبر أنصار الاتفاق أن إنهاء الحرب يمثل خطوة ضرورية لتجنب استنزاف أميركي طويل الأمد، حتى وإن لم تتحقق جميع الأهداف التي طُرحت في بداية المواجهة.

وتشير هذه المراجعات إلى أن الحرب على إيران قد لا تُسجل بوصفها مجرد مواجهة عسكرية انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار، بل باعتبارها محطة دفعت واشنطن إلى إعادة تقييم فلسفة حضورها في الشرق الأوسط. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى منخرطة في المنطقة؟ بل كيف ستدير هذا الانخراط، وبأي أدوات، وفي أي حدود؟ وبين من يدعو إلى تقليص الاعتماد على القوة العسكرية ومن يتمسك بالحفاظ على النفوذ الإستراتيجي، تبدو الولايات المتحدة أمام مرحلة قد تعيد صياغة سياستها الشرق أوسطية بصورة أعمق مما فعلته نتائج الحرب نفسها.