> شبوة«الأيام»خاص:

​منذ تعيينه محافظًا لشبوة في أواخر ديسمبر 2021، واجه عوض محمد بن الوزير العولقي اختبارًا معقدًا في محافظة لا تُدار بالقرار الإداري وحده. فشبوة رغم كونها محافظة نفطية وغازية ذات موقع مهم على خريطة اليمن، فهي مساحة تتداخل فيها القبيلة مع الدولة، وتتقاطع فيها الموارد مع الاحتياج، ويؤثر موقعها الجغرافي في حسابات الأمن والاستقرار على مستوى أوسع من حدودها الإدارية.

تكتسب شبوة أهميتها من كونها تقع بين محافظات ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي؛ إذ تحدها مأرب من الشمال، وحضرموت من الشرق، وأبين من الجنوب الغربي، وتمتد بساحل مهم على بحر العرب. هذا الموقع يجعل أي اضطراب واسع داخلها قابلًا للتحول إلى عامل ضغط على طرق الإمداد، وحركة الطاقة، وأمن الساحل، وتوازن المحافظات المجاورة.

لذلك، لم تكن مهمة السلطة المحلية خلال السنوات الماضية محصورة في إدارة الخدمات اليومية، وإنما في منع المحافظة من الانزلاق إلى فراغ أمني أو صراع اجتماعي مفتوح أيضا.

في هذا السياق، بدت سلطة المحافظ بن الوزير أقرب إلى محاولة بناء توازن بين سلطة القانون وحساسية المجتمع القبلي. فشبوة من المحافظات التي لا تزال فيها “القبولة” حاضرة بقوة، وأحيانًا أكثر تأثيرًا من مؤسسات الدولة الرسمية.

ومن ثم، لم يكن ممكنًا التعامل معها بمنطق إداري جامد، كما لم يكن مناسبًا ترك المجال للأعراف القبلية كي تدير الشأن العام بمعزل عن الدولة. بين هذين الحدين، حاولت السلطة المحلية بناء معادلة تقوم على احتواء القبيلة داخل مسار الاستقرار، والاستفادة من الوجاهات الاجتماعية في تهدئة النزاعات، مع إبقاء الدولة إطارًا ناظمًا للقرار العام.
  • القبيلة كمدخل للاستقرار
تُعد ظاهرة الثأر واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في شبوة. فقد عانت المحافظة لعقود من نزاعات قبلية متوارثة، كثير منها كان قابلًا للاشتعال مع أي حادث أمني أو خلاف اجتماعي. وفي بيئة كهذه، يصبح التعامل مع الثأر اختبارًا لقدرة السلطة المحلية على فهم المجتمع قبل إدارة الأزمة.

خلال فترة المحافظ بن الوزير، بدا واضحًا أن السلطة المحلية اتجهت إلى التعامل مع الملف القبلي بمنهج التدخل المبكر. فبدل انتظار انفجار النزاعات، جرى تحريك قنوات الوساطة، واستدعاء حضور المشائخ والوجهاء، وربط مسارات الصلح بمنطق الدولة والسلطة المحلية. هذا النمط من الإدارة ساعد على إعادة قدر من الثقة بين المكونات المحلية، وخفف من مخاطر تحول الحوادث الفردية إلى اصطفافات قبلية واسعة.

أهمية هذه المقاربة أنها لم تتعامل مع القبيلة كخصم للدولة، ولم تجعلها بديلًا عنها. فقد سعت السلطة المحلية إلى توظيف الثقل الاجتماعي للقبائل في خدمة الاستقرار، مع الحفاظ على حضور الدولة كإطار جامع. وهذه معادلة دقيقة في محافظة لا تزال الاعتبارات القبلية جزءًا من بنية القرار الاجتماعي والأمني.

ومن أبرز ما يُحسب لهذه المرحلة أن شبوة لم تنزلق، رغم هشاشة المشهد اليمني العام، إلى صراع داخلي واسع. فالمحافظة محاطة ببيئات مضطربة، وتتأثر بما يجري في مأرب وحضرموت وأبين، وتمتلك في داخلها عوامل توتر اجتماعية وسياسية وأمنية. ومع ذلك، حافظت السلطة المحلية على حدّ معقول من التماسك، وجعلت الاستقرار عنوانًا رئيسيًا لإدارتها، في محافظة يصعب ضبطها بالأدوات الرسمية وحدها.

هذا لا يعني أن ملف الثأر أُغلق نهائيًا، أو أن النزاعات القبلية لم تعد قائمة. فالقبيلة ما تزال فاعلًا أساسيًا، والسلاح حاضر في الوعي الاجتماعي، وميراث الثأر لم ينتهِ. غير أن تراجع مستوى الاحتقان، واتساع مساحات الصلح، وحرص السلطة المحلية على التواصل مع مختلف الأطراف، كلها مؤشرات على أن المحافظة شهدت تحسنًا ملحوظًا في إدارة النزاعات المحلية مقارنة بسنوات سابقة.

في محافظة مثل شبوة، لا تُقاس نتائج الاستقرار فقط بعدد الحوادث التي تم منعها، وإنما بقدرة السلطة المحلية على إبقاء الخلافات ضمن حدود قابلة للاحتواء. فكل قضية ثأر لا تتحول إلى مواجهة، وكل خلاف قبلي يجد مسارًا للتهدئة، وكل وساطة تنجح في منع الاصطفاف، يمثل خطوة في ترميم علاقة الدولة بالمجتمع.
  • الأمن ومنع الانزلاق
إلى جانب البعد القبلي، واجهت شبوة تحديات أمنية متعددة، من بينها مخاطر الإرهاب، وتهريب السلاح، والهجرة غير الشرعية، وانتشار السلاح داخل المدن، ومحاولات استغلال الانقسامات المحلية لإرباك الوضع العام. وقد تعاملت السلطة المحلية مع هذه الملفات بوصفها تهديدات مباشرة لمسار الاستقرار والتنمية.

في هذا الإطار، مثّل منع حمل السلاح داخل المدن الرئيسية، وفي مقدمتها مدينة عتق، خطوة ذات دلالة مهمة. فالمحافظة التي اعتادت حضور السلاح في المجال العام تحتاج إلى إجراءات تقلل المظاهر المسلحة وتعيد الاعتبار للمجال المدني. أهمية هذه الخطوة أنها نقلت النقاش الأمني من مستوى رد الفعل إلى مستوى بناء بيئة أكثر انضباطًا داخل المراكز الحضرية، بما يفتح المجال أمام الخدمات والاستثمار والحركة الطبيعية للمواطنين.

كما برز اهتمام السلطة المحلية بملف الهجرة غير الشرعية، خصوصًا أن سواحل شبوة الطويلة تجعلها إحدى نقاط العبور للمهاجرين القادمين من القرن الأفريقي. هذا الملف لا يرتبط بالأمن وحده، وإنما يمتد إلى الصحة العامة، وسوق العمل، والاتجار بالبشر، وقدرة المجتمعات المحلية على تحمل أعباء إضافية في ظل ظروف اقتصادية صعبة. ومن هنا جاءت دعوات السلطة المحلية إلى دعم أكبر من الحكومة والمنظمات الدولية، في إدراك واضح بأن المحافظة لا تستطيع معالجة هذا التحدي بإمكاناتها المحدودة وحدها.

وفي ظل موقع شبوة الرابط بين محافظات مؤثرة، اكتسب الحفاظ على الأمن معنى أوسع من مجرد ضبط الداخل. فاستقرار شبوة ينعكس على حركة الطاقة، وأمن الطرق، والساحل، ومجمل التوازنات جنوبًا وشرقًا. لذلك، فإن تجنب الانزلاق خلال السنوات الماضية يمثل نتيجة مهمة، حتى مع بقاء المحافظة أمام اختبارات متكررة.

تكشف تجربة شبوة خلال السنوات الماضية أن الاستقرار في محافظة قبلية لا يصنعه الأمن وحده، ولا تصنعه الوساطات الاجتماعية وحدها، وإنما تصنعه القدرة على الجمع بين التهدئة، وضبط المدن، وتفعيل الحضور المؤسسي للدولة. وقد أظهرت فترة المحافظ عوض بن الوزير أن إدارة محافظة مثل شبوة تحتاج إلى فهم عميق لتوازناتها، لا إلى قرارات فوقية معزولة عن المجتمع.

لا تزال التحديات واسعة. فالثأر لم يُغلق كملف نهائي، والسلاح لم يختفِ من المجتمع، والهجرة غير الشرعية تمثل ضغطًا مستمرًا، والبيئة المحيطة بالمحافظة لا تزال قابلة للتأثير في داخلها. ومع ذلك، فإن ما تحقق خلال السنوات الماضية يشير إلى أن شبوة قطعت خطوات مهمة في بناء نموذج محلي للاستقرار.

في محافظة مثل شبوة، يصبح منع الانزلاق إنجازًا بحد ذاته. فكل صلح قبلي، وكل حملة لضبط السلاح، وكل جهد لاحتواء التوتر، يمثل جزءًا من معركة أوسع لاستعادة الدولة من داخل المجتمع، لا فرضها عليه من خارجه. ومن هذه الزاوية، تبدو شبوة اليوم أمام فرصة لترسيخ استقرار قابل للبناء في بيئة يمنية شديدة التعقيد.